شرح
وكيف كان فيشهد للأول إطلاق ما دل على وجوب الحج على المستطيع فإنه
يقتضي وجوب الحج بعد الاستطاعة وإن كان قد حج قبلها .
واستدل للثاني : بأن الظاهر أن حجة الاسلام هو الحج الأول ، وإذا أتى به كفى ولو
كان ندبا ، وهذا نظير ما إذا صلى الصبي صلاة الظهر ندبا - بناء على كون عباداته
شرعية - فبلغ في أثناء الوقت ، فإنه لا يجب عليه الإعادة .
والوجه فيه : أن الظاهر أن ما أمر به الصبيان هو الصلاة المعهودة التي أوجبها
الله تعالى على البالغين ، لا شئ مغاير لها ، فالصبي مكلف بالطبيعة الواحدة بلغ أم لم
يبلغ ، غاية الأمر ما لم يبلغ يكون مرخصا في تركها ، وإذا بلغ لا يكون مرخصا في الترك
فإذا أتى الصبي بتلك الطبيعة صحيحة سقط عنه التكليف ، وإن بلغ بعد ذلك فلا
شئ عليه ، وبهذا البيان يحكم بإجزاء الحج الندبي عن الواجب .
لا يقال : إن لازم ذلك إجزاء حج الصبي عن حجة الاسلام مع أنه لا قائل به .
فإنه يقال : إن مقتضى القاعدة وإن كان ذلك إلا أنه دل الدليل الخاص على
لزوم الإعادة .
فإن قيل : إذا كانت حقيقة الحج الندبي متحدة مع حقيقة حجة الاسلام فكيف
يختلف آثارهما ، إذ حجة الاسلام يستحق العقاب على تركها ، ولو تركها تستقر على
المكلف ، وتركها بلا عذر ترك لشريعة من شرائع الاسلام ، ولو منعه مانع منها تجب
الاستنابة ، ولو تركها إلى أن مات تخرج من أصل التركة ، وهذه الآثار لا تترتب على
الحج الندبي فيستكشف اختلاف حقيقتهما .
قلنا : إن هذه الآثار جاءت من قبل الوجوب ، وأما ذات الواجب فلا فرق بينه
وبين ذات المستحب .
أقول : الظاهر كون حقيقة الحج واحدة لا اختلاف فيها ولا تعدد ، ولكن هذه
الحقيقة الواحدة متعلقة للأمر في كل عام ، والأمر المتعلق بها في كل عام غير الأمر