شرح
التقريب الثاني : أن يقال : إن كل دائرة صغيرة تفرض في وسط الدائرة الكبيرة
بحيث تكون مركزا لها تكون مواجهة للدائرة الكبيرة بأجمعها ، ونصف منها يكون
مواجها لنصفها ، وربعها لربعها ، وهكذا ، وعليه فراس الانسان الذي هو شبيه بالكرة
يكون مواجها لدائرة الأفق بتمامها ، والجبهة التي هي سبع الرأس تقريبا مواجهة
لسبع دائرة الأفق ولسبع جميع الدوائر المفروضة بين المصلى ودائرة الأفق تحقيقا ،
فجميع ما يفرض من الموجودات الواقعة في هذه الأقواس مواجهة لجبهة المصلى ، فإذا
فرض أن الكعبة واقعة في هذا السبع فكل من الإمام والمأموم مواجه لها حقيقة .
وبالجملة : الايراد المزبور إنما نشأ من فرض الخطوط متوازية ، مع أن ذلك غير
معتبر في المواجهة قطعا ، أفلا ترى إلى كرة الشمس أنها بجميع أجزائها مواجهة لك
مع أنها أكبر من كرة الأرض بآلاف مرة ؟
الوجه الثاني : أن الايراد المزبور على تقدير وروده إنما يرد على تقدير كون
الواجب على المكلف هو الاستقبال الحقيقي ، وأما إذا كان الواجب هو الاستقبال
العرفي ، أعني به كون المكلف بحيث لو أزيل الموانع لرأى نفس الكعبة ، فلا اشكال
أصلا ، ضرورة أن استطالة الصف الواحد لا تكون مانعة من ذلك قطعا .
ويترتب على ذلك دفع اشكال آخر ربما يورد في المقام ، وحاصله : أن كروية
الأرض مانعة عن استقبال نفس الكعبة ، ولو كان المراد بها هو الفضاء من تخوم
الأرض إلى عنان السماء فإن من بعد عن الكعبة بمقدار ألف وخمسمائة فرسخ - الذي
هو بمقدار ربع الكرة - فالخط الخارج من جبهته مواز للفضاء المقابل للكعبة لا محالة ،
ولا يتصل أحد الخطين بالآخر أبدا ، فلا يعقل استقبال نفس الكعبة .
والجواب عن ذلك : أن اتساع الجهة حقيقة أو عرفا كما يكون في عرض القبلة
كذلك يكون في عمقها ، فإن الخط الخارج من جبهة المصلي إنما يخرج مخروطيا ،