شرح
أقول : لا ريب في أن النصوص في أنفسها ظاهرة في المجانية فإن سبيلها سبيل
أدلة الإرث فكما أنها ظاهرة في كون المال للورثة بغير عوض كذلك نصوص الحبوة .
ودعوى أن النصوص إنما تدل على اختصاص الحبوة بالولد الأكبر وأما كون
هذا الاختصاص والملكية بلا عوض أو مع العوض فالنصوص ساكتة عنه فلو لم يكن
دليل على كونها مع العوض يحكم بمقتضى الأصل بكونها بلا عوض ومع الدليل
عليه كما سيمر عليك لا مجرى للأصل مندفعة بأن النصوص بأنفسها كما تدل على
اختصاص الحبوة بالولد الأكبر كذلك تدل على أنها بنحو المجانية لا من جهة أنه يلزم
من عدمه تأخر البيان عن وقت الحاجة كما في الرياض فإنه يرده : أن لا محذور في ذلك
إذا اقتضت المصلحة ذلك أو كان هناك مفسدة في التقديم ولا للأصل كما فيه أيضا
بل من جهة أن جعل شئ لشخص من دون ذكر العوض ظاهر في التمليك المجاني
فإن شئت فاختبر ذلك من حال العرف فهل يتوقف أحد فيما لو قال زيد ملكتك هذا
الشئ ولم يذكر العوض في كونه تمليكا مجانيا .
وبالجملة : تمليك شئ بشخص وتخصيصه به من دون ذكر العوض ظاهر في
كونه على نحو المجانية بل الفرق بين المجانية ومع العوض إنما هو بذلك .
واستدل للقول الآخر : بأن ظاهر جميع أدلة الإرث كتابا وسنة أن جميع التركة
تقسم بين الورثة فإن قوله تعالى : ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس ) وقوله : ( فلكم
الربع مما تركتم ) وقوله تعالى : ( فلهن الثمن ) وكذا النصوص سيما ما تضمن أن
الأبوين لا ينقصان من السدس وما شاكل ظاهرة في أن الحبوة أيضا مما يرثه غير الولد
الأكبر والجمع بينها وبين نصوص الحبوة يقتضي البناء على اختصاصه بها واحتسابها
عليه .