شرح
المضمون به إلا ما شذ وندر ، فيعلم من ذلك اتكاله على ما هو المتعارف عند الناس .
ومن المعلوم أن المتعين عندهم تعين رد ما هو الأقرب إلى العين بعد عدم امكان رد العين
نفسها ، والأقرب هو المثل لكونه تداركا للمالية ، والخصوصيات الفائتة التي تختلف بها
الرغبات ، فيتعين ذلك .
ثم إنه في صورة عدم التمكن من رده أيضا يراعى ما هو الأقرب إلى التالف
بعد المثل ، وهو القيمة من النقدين أو شبههما ، لأن غيرهما مشتمل على خصوصيات
غير متمولة مغايرة لخصوصيات التالف ، ومعلوم أن غير المشتمل على الخصوصيات
المغايرة أقرب من المشتمل عليها . وبعبارة أخرى : إن غير النقدين إنما يلاحظ
مساواته للتالف بعد ارجاعه إليهما .
وفيه : أولا : أنه لو تم لاختص لزوم أداء المثل بما إذا كان موجودا نوعا ،
إذ المعلوم من حال العقلاء رعاية للحكمة عدم التضمن بالأقرب مطلقا ، فلا عبرة
بوجوده أحيانا .
وثانيا : إن الأقربية ليست مناط الحكم ، بل العبرة على التقريب المتقدم بما هو
المتعارف عند الناس ، ومن المعلوم من حالهم أنه لا نظر لهم في هذا المقام إلا إلى المالية ،
ولذا تراهم لا يطالبون المثل لو سقط عن المالية ، ولا يلتفتون إليه ولا يلزمون بدفعه
إذا زادت قيمته .
وبالجملة : المعيار عندهم هو القيمة ، وعليه فهذا الوجه يقتضي تعين القيمة .
الثالث : قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى
عليكم ) ( 1 ) قيل : إنه يدل على تعين المثل في المثلي والقيمة في غيره ، بتقريب أن مماثل
هامش
1 - البقرة الآية 194 .