شرح
ويعتبر في صدقها أمران آخران :
أحدهما : أن يكون اللفظ بحسب المتفاهم العرفي ظاهرا في غير ما أفاده
المتكلم ، فلو كان ظاهرا فيه ولكن المخاطب لقصور فهمه لم يتنبه له لم يكن ذلك من
التورية .
ثانيهما : أن تكون إرادة ذلك المعنى من ذلك اللفظ صحيحة بأن تكون بينهما
علاقة ، فلو كان استعماله فيه غير صحيح لما كان من التورية ، مثلا لو قال أعطيت
زيدا خمسين درهما وأراد به درهما واحدا وقد أعطاه في الواقع درهما لم يكن ذلك من
التورية .
وعلى هذا فالتورية خارجة عن الكذب الذي هو عبارة عن عدم مطابقة
المعنى المراد للواقع موضوعا .
إذا عرفت هذا فاعلم : أن الأقوى هو القول الأول ، وذلك لأنه يعتبر في صدق
المكره عليه على الفعل كونه صادرا على الالجاء والضرورة ، فمع امكان التفصي لا
يصدق ذلك .
وبعبارة أخرى : أن من يتمكن من التفصي عن الفعل المكره عليه يكون
مجبولا على الجامع بينه وبين ما أكره عليه ، فاختيار ذلك الفعل لا محالة يكون
لخصوصية أخرى غير الجهة المشتركة بينه وبين التفصي ، فيستند ذلك الفعل لا محالة
إلى غير الاكراه .
وأما الجهة الثانية : فاستدل للقول الثاني - وهو عدم اعتبار التفصي مطلقا -
بوجوه :
الأول : إن الاكراه : إنما هو على الفعل وهو مكره عليه ابتداءا ، والتفصي إنما
يكون تخلصا عن الاكراه بعد تحقق موضوعه ، فالاكراه متحقق ولو لم يتفص .