شرح
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله بحسب الظاهر مع قطع النظر عن إعمال ولايته
التكوينية متمكنا من هدايتهم ودفع شرهم وإذا هم عن المسلمين ، ومعلوم أن المتعين في
مثل ذلك المداراة والمداهنة ، ليقل بذلك أذاهم ، ويتمكن المسلمون من تهيئة الأسباب .
ولذا ترى أنه بعد الهجرة وتهيئة الأسباب ( من قوة ومن رباط الخيل ) نزل
عليه صلى الله عليه وآله ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) ( 1 ) . و ( فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد ) ( 2 ) . فرفع اليد عن الدعوة إلى الحق لو
كان إنما هو لمصلحة أهم .
ومنها قوله سبحانه : ( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن
اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ) ( 3 ) .
قيل : ( وما أنا عليكم بوكيل ) ينافي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر .
ولكنه يدفع بأن الآية تدل على أنه بعد الدعوة إلى الحق وبيان ما يجب التدين
به وما يلزم فعله وتركه ، يكونون مختارين فيما ينتخبونه لأنفسهم ، من غير أن يسلبوا
الخيرة ، وليس هو صلى الله عليه وآله وكيلا لهم يتصدى من الفعل ما هو لهم ، بل هذا
موكول إليهم ، فمن نظر فيه وعرف أنه حق وصواب فإنما يهتدي لنفسه ، ومنافعه من
الثواب وغيره تعود إليه ، ومن ضل فإنما يضل على نفسه . لأنه يجني عليها .
فهذه الآية إنما تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله لا يكون وظيفته سلب
الاختيار وإجبار الناس على الايمان بالله ، بل وظيفته الهداية إلى الحق والأمر بالمعروف
هامش
( 1 ) البقرة : 191 .
( 2 ) التوبة : 5 .