شرح
آخر السورة .
قيل : إن ظاهر الآية الكريمة عدم التعرض لما يعمله الغير ، غاية الأمر إظهار
البراءة من عملهم ، ومن الواضح أن ذلك ينافي الدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر .
ولكن الظاهر أن ذلك إنما هو بعد عدم تأثير الدعوة إلى الحق لا في أول الأمر .
إذ أن الخطاب للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وكان داعيا إلى الحق وآمرا بالمعروف
وناهيا عن المنكر ، وكأنه كان لشدة عطوفته ورحمته باخعا نفسه على آثارهم لعدم إيمان
الناس ، وقوله تعالى : ( وإن كذبوك ) ويشهد بهذا ، كما وهناك آيات قبل هذه وبعدها
تشهد بهذا .
فالآية لا تدل على إيكال الناس إلى أنفسهم وعدم دعوتهم إلى الحق ، بل تدل
على تلقين التبري على تقدير تكذيبهم له ، وأنه لا بد من الدعوة إلى الحق ، فإن لم تؤثر
الدعوة فالتبري منهم ، لئلا يحملوه على باطلهم .
وبعبارة أخرى : أنها وعيد لهم من الله تعالى ، كقوله : ( اعملوا على مكانتكم )
ونحوه .
وبالجملة ، مفاد الآية الكريمة أنه بعد ما لم تكن دعوتك - أيها النبي - مؤثرة
بالنسبة إلى الكفار ، وكذبوك بعد إقامة الدليل والبرهان والمعجزة ، قل لهم : أنا برئ
منكم ، وجزاء عملكم على الله ، كما أن جزاء عملي عليه ، وآثار عمل كل من الطرفين
تترتب على ذلك الطرف خاصة من دون أن يترتب على الطرف الآخر .
هذا ، مع أن هذه السورة مكية ، ويلوح من آياتها أنها من السور النازلة في أوائل
البعثة ، وأنها أنزلت عقيب إنكار المشركين الوحي النازل على النبي ، وتسميتهم القرآن
بالسحر ، وإيذائهم أعوانه وأنصاره بل إكراههم وإجبارهم إياهم على الكفر والشرك