ولكن الواقع أن هذه الآية الكريمة لا تصلح حجة لأنها لم تتعرض لحقيقة السحر فقد يكون نوعا من أنواع الفتنة ، أو الحيلة التي يسعى بها بعض النمامين للتفريق بين الزوجين ، ولهذا حدثت الآية عن الآثار المترتبة على أعمال هؤلاء ، فقد قال تعالى * ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِه بَيْنَ الْمَرْءِ وزَوْجِه ) * فكل ما كان يترتب على فعلهم من الآثار هو الفرقة بين المرء وزوجه ، وهذه مسألة قد تقع بغير السحر الخارق للعادة ، ولنا من الواقع ما يؤيد هذا ، فان كثيرا من النمامين قد أحدثوا فتنة تفرق بين الزوجين ، فليس في الآية الكريمة حجة على أن السحر له أثر حقيقي ، ولم يبق للقائلين بأن السحر له أثر حقيقي إلا الاستدلال ( 1 ) بحديث البخاري الذي رواه عن السيدة عائشة من أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قد سحر ، وأنه كان يخيل إليه أن يفعل الشيء ، ولم يفعل ( 2 )
شرح
( 1 ) أهل البيت ( ع ) * ( ومِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ) * أي النساء الساحرات اللاتي يسحرن بالعقد على المسحور وينفثن في العقد . وخصت النساء بالذكر لأن السحر كان فيهن ومنهن أكثر من الرجال ، وفي الآية تصديق لتأثير السحر في الجملة ، ونظيرها قوله تعالى : في قصة هاروت وماروت * ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِه بَيْنَ الْمَرْءِ وزَوْجِه وما هُمْ بِضارِّينَ بِه مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله ) * ( البقرة ، 102 ) ونظيره ما في قصة سحرة فرعون .
وقيل : المراد بالنفاثات في العقد النساء اللاتي يملن آراء أزواجهن إلى ما يرينه ويردنه فالعقد هو الرأي والنفث في العقد كناية عن حله ، وهو بعيد .
وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد عن زيد ابن أسلم قال : سحر النبي ( ص ) رجل من اليهود فاشتكى فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وقال : إن رجلا من اليهود سحرك والسحر في بئر فلان فأرسل عليّا فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرء آية فجعل يقرء ويحل حتى قام النبي ( ص ) كأنما نشط من عقال .
وما استشكل به بعضهم في مضمون الروايات أن النبي ( ص ) كان مصونا من تأثير السحر كيف ؟ وقد قال الله تعالى * ( وقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) * ( الفرقان ، 9 ) .
يدفعه أن مرادهم بالمسحور والمجنون بفساد العقل بالسحر وأما تأثره عن السحر بمرض يصيبه في بدنه ونحوه فلا دليل على مصونيته منه .
( 2 ) روى الإمام البخاري في صحيحه فقال : حدثني محمد بن المتنبي ، حدثنا يحيى بن هشام ، قال حدثني أبي عن عائشة رضي اللَّه عنها : « أن النبي صلَّى اللَّه عليه سحر حتى كان يخيل إليه أنه صنع شيئا ولم يصنعه » وفي رواية أخرى قال البخاري رحمه الله قال : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه