تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
أن هذه الآية تدل دلالة واضحة على أن قصارى أمر السحر هو ذلك الخيال الذي جاء به سحرة فرعون . فهذه هي حجة الذين يرون أن السحر خيال لا حقيقة له . أما الفريق الثاني فإنه يحتج بقصة هاروت وماروت الواردة في القرآن الكريم قال تعالى * ( وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ، وما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ) * .
شرح
وقد عده الرسول صلوات الله وسلامه عليه من الموبقات السبع ، ومن السحر ما يكون كفرا ، ومنه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة ، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر ، وإلا فلا . المالكية - رحمهم الله تعالى : الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ، بل يتحتم قتله كالزنديق : قال عياض : ويقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين ، وذلك فيمن عمل به للباطل والشر . أما من تعلمه لفك المسحور ، ومنع الأذى عنه ، أو تعلمه للعلم فقط ولم يعمل به فهو جائز . وقد سئل الإمام أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور ، فقال : لا بأس به ، وهذا هو المعتمد ، فحكم السحر تابع للقصد ، فمن قصد به الخير جاز له ، والا حرم عليه ، إلا أن أدى إلى الشرك ، وإلا كان كافرا . ولا يقتل الساحر إلا أن يقتل أحدا بسحره ، ويثبت عليه ذلك بإقراره ، وأما إذا كان ذميا ، وأوصل بسحره ضررا لمسلم يكون قد نقض العهد ويحل قتله ، وإنما لم يقتل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم لبيد بن الأعصم على سحره وقد كان ذميا لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا ينتقم لنفسه ، ولأنه خشي إذا قتل لبيد بن الأعصم أن تقوم فتنة بين المسلمين في المدينة . لأنه كان من بني زريق ، وهم بطن من الأنصار مشهور من الخزرج ، وكان الناس حديثي عهد بالإسلام . وقد تبين من هذا أن السحر حق ، وواقع ، وقد وقع لكثير من الناس ، ولا يزال يقع ، ولو أنه قد قل في هذا الزمان ، وقد وقع لسيدنا موسى عليه السلام كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه العزيز فقال تعالى * ( فَإِذا حِبالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِه خِيفَةً مُوسى ، قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى ) * غير أن هذا السحر الذي وقع له لم يكن له أي تأثير في العقل ، ولا في الوحي ، ولا فيما يبلغه للناس من الأحكام ، بل هو كسائر الأعراض البشرية الجائزة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فلا ينافي العصمة .
الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 683 | عبد الرحمن الجزيري / السيد محمد الغروي / ياسر مازح