سلف ، على أن الغرض إنما هو عد الكبائر التي نص في الأحاديث على أنها كبائر ، فليس الغرض حصر الجرائم الدينية في هذه الأشياء ( 1 ) .
شرح
( 1 ) اختلف العلماء من الصحابة والتابعين في الكبائر ، من أربع ، إلى سبع ، إلى تسع ، إلى إحدى عشرة ، فما فوق ذلك ، فكان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول : هن أربع ، وكان عبد الله بن عمر رضي اللَّه عنهما يقول : الكبائر سبع - وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما يقول : هن تسع ، وكان عبد الله بن عباس إذا بلغه قول ابن عمر : ان الكبائر سبع ، يقول هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع - وقال مرة : كل ما نهى الله تعالى عنه فهو من الكبائر - وقال هو وغيره من الصحابة : كل ما توعد الله تعالى عليه بالنار فهو من الكبائر .
وقال بعض السلف : كل ما أوجب الحد في الدنيا فهو كبيرة - والصغائر عندهم من اللمم ، وهو ما لا حد فيه ، وما لم يتهدد بالنار عليه ، فقد روي هذا عن أبي هريرة وغيره .
وكان عبد الرزاق رضي الله عنه يقول : الكبائر إحدى عشرة ، وهذا أكثر ما قيل في جملة عددها مجملا وقيل : إنها مبهمة لا يعرف حقيقة عددها ، كإبهام ليلة القدر ، وساعة يوم الجمعة ، والصلاة الوسطى ، ليكون الناس على خوف ورجاء ، فلا يقطعون بشيء ، ولا يسكنون إلى شيء .
وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه فيها قولا حسنا من طريق الاستنباط . وقد سئل عن الكبائر فقال : اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها قوله تعالى * ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) * فكل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هاهنا فهو من الكبائر . فأشبه هذا استدلال قول ابن عباس في استنباط ليلة القدر أنها ليلة سبع وعشرين أنه عد كلم سورة القدر حتى انتهى إلى قول ( هي ) فكان سبعا وعشرين كلمة ، والله أعلم بحقيقة هذين القولين .
قال أبو طالب المكي : والذي عندي في جملة ذلك مجتمعا من المتفرق سبع عشرة ، تفصيلها : أربعة من أعمال القلوب وهن الشرك بالله تعالى ، والإصرار على معصية الله تعالى ، والقنوط من رحمة الله تعالى ، والأمن من مكر الله تعالى ، وأربعة في اللسان وهن شهادة الزور ، وقذف المحصن ، واليمين الغموس ، والسحر - وثلاثة في البطن وهي شرب الخمر والسكر من الأشربة ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الربا وهو يعلم ، واثنتان في الفرج ، وإن يعمل عمل قوم لوط في الأدبار ، واثنتان في اليدين .
وهما القتل والسرقة وواحدة في الرجلين وهي الفرار من الزحف ، والواحد من اثنين ، وواحدة في جميع البدن وهي عقوق الوالدين ، فهذه الكبائر الموبقات التي من اجتنبها كفرت عنه السيئات ، وثبتت له النوافل من الفرائض الخمس التي هي أبنية الإسلام ، قال تعالى * ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) * .