للحاكم ( 1 ) .
شرح
( 1 ) الشافعية والحنابلة في أظهر روايتهم قالوا : إن حد القذف حق للمقذوف وإن كان فيه حق الشرع ، تقديما لحق العبد باعتبار حاجته ، وغنى الشرع ، ولأن أكثر الأحكام تبنى عليه ، والمعقول يشهد له وهو أن العبد ينتفع بحد القذف على الخصوص ، مثل القصاص - فلا يستوفي إلا بمطالبته ، وله أن يسقطه عن القاذف ويعفو عنه ، وله أن يبرئ منه ، وهو يورث عن المقذوف ، وذلك لأن حق العبد في حد القذف غالب على حق الشرع ، وظاهر عليه ، لأن فيه صيانة أعراض الناس .
الحنفية - قالوا : ليس للمقذوف أن يسقط حد القذف عن القاذف ، ولا أن يعفو عنه ، ولا يمكنه أن يبرئ القاذف منه ، لأن الغالب فيه حق الله تعالى ، ولا خلاف أن فيه حق العبد ، وحق الشرع ، ولأنه شرع لدفع العار عن المقذوف ، وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه حق العبد ، وفيه معنى الزجر ، ولذلك يسمى حدا ، والمراد بالزجر اخلاء المجتمع من الفساد وتطهيره من المنكر ، وهذا علامة حق الشرع ، إذ لم يختص به إنسان دون غيره ، ولأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق العبد مرعيا به ، ولا كذلك عكسه ، لأنه لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة ، وهذا هو الأصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها ، كالإرث ، لأنه يجري في حقوق العباد ، لا في حقوق الشرع ، فان العبد يرث حق العبد بشرط كونه مالا ، والحد ليس شيئا من أنواع الأموال ، فيبطل بالموت ، إذا لم يثبت دليل سمعي على استخلاف الشرع وارث جعل له حق المطالبة ، أو وصية المطالبة التي جعلها شرطا لظهور حقه ، ومنها العفو ، فإنه بعد ما ثبت عند الحاكم القذف والإحصان ، لو عفى المقذوف عن القاذف لا يصح منه ، ويحد ، فان الحد لا يسقط بعد ثبوته عندهم إلا أن يقول المقذوف : لم يقذفني ، أو كذب شهودي ، وحينئذ يظهر أن القذف لم ينعقد موجبا للحد ، بخلاف العفو عن القصاص فإنه يسقط بعد وجوبه ، لأن الغالب فيه حق العبد ، ومنها : أنه لا يجوز الاعتياض عنه ، ويجرى فيه التداخل ، حتى لو قذف شخصا مرات ، أو قذف جماعة كان فيه حد واحد ، إذا لم يتخلل حد بين القذفين ، ولو ادعى بعضهم فحد ، ففي أثناء الحد ادعى آخرون ، كمل ذلك الحد فقط .
قالوا : وإنما لا يصح عفوه ، لأنه عفو عما هو مولى عليه فيه ، وهو الإقامة ، ولأنه متعنت في العفو ، لأنه رضي بالعار الذي لحقه من القذف ، والرضا بالعار عار ، وذلك هو الأظهر من جهة الدليل ، والأشهر عند عامة المشايخ ، ومن أصحابهم من قال : إن الغالب في حد القذف حق العبد .