قذف الناس بهذه الفاحشة ان لم يكن خوفا من العقوبة الدنيوية ، فخوفا من الله الذي وصفهم بأنهم « فاسقون » .
أما المستهترون الذين لا يبالون أمر الله عز وجل ، ولا يخشونه ، فإن هؤلاء أحط من الأنعام ، فلا زاجر لهم إلا بما يؤذيهم ، والا تمادوا في نهش أعراض الناس بدون حساب ( 1 ) .
مبحث العفو عن القاذف
الشافعية ، والحنابلة - قالوا : إن للمقذوف الحق في أن يعفو عن قاذفه ، ويسقط بذلك العفو حد القذف ، وفي ذلك سعة ، فإذا سبق لسان أحد إلى قذف شخص بهذه الفاحشة ، فإنه يصح له أن يسترضيه ، ويزيل ذلك الأثر من نفسه ، فإذا عفا عنه ، فإن عفوه يصح ، سواء كان قبل رفع الأمر للحاكم ، أو بعده .
المالكية - يوافقون على هذا الرأي إذا كان العفو قبل أن يرفع الأمر للحاكم ، أما بعد رفع الأمر للحاكم ، فإن العفو يصح إذا كان المقذوف يخاف على نفسه سوء السمعة ، أما إذا كان مشهورا بالعفة ، ولا تؤذيه إذاعة التهمة ، فإن العفو لا يصح .
وعلى أي حال ، فإن القول بصحة عفو المقذوف معقول ، لأنه هو الذي وقع عليه ضرر القذف ، ومتى عفا ذهب أثر الجريمة الضار ، فإذا قذفه ثانيا بعد العفو ، فإنه لا يحد ، ولكن يعزر كي لا يعود إلى شتمه .
ويمكنك أن تقول : أن العفو يسقط حد القذف عند الأئمة الثلاثة خلافا للحنفية ، ومع ذلك فإن الحنفية يقولون : أنه لا يقام إلا إذا رفع المقذوف الأمر
شرح
( 1 ) إن لله تعالى في طي كل مصيبة نعمة ، وفي كل بلية رحمة ، وإن لم يطلع على ذلك صاحبها ، ففي إقامة الحدود تأديب للمؤمنين ، وتربية لنفوسهم على الخير ، والبعد عن مواطن الشر ، وتطهير لألسنتهم ، والتحفظ بها عن الخوض في أعراض الناس وحفظا لهم من أن يقعوا في معصية الله تعالى ، ويصبحوا من الفاسقين ، وفي تشريع الحدود تطهير للمجتمع من الشرور والمفاسد ، التي تهلكهم وتفرق بين صفوفهم ، وإذا قارنا بين المجتمع الذي نعيش فيه ، وبين المجتمع الذي كان في عهد رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم أدركنا الفرق الكبير والبون الشاسع بينهما . وذلك لإقامة الحدود في عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده .