شرح
الحمال سواء كان حاملا على سفينة أو دابة أو عربة أو كان حاملا بنفسه .
وأما الصناع فإنهم يضمنون ما تتعلق بهم صنعتهم فالخياط مثلا يضمن الثياب التي يخيطها ولا يضمن ما توضع فيه ( كالبقجة ) . فإذا ضاعت أو تلفت البقجة ( وتسمى - بخشة - بضم الباء وسكون الخاء ) فإنه لا يضمنها . والحداد يضمن السكين التي يصلحها ولا يضمن قرابها التي توضع فيه . وبعضهم يقول : إنه يضمن هذه الأشياء إذا كانت تلزم للأشياء المصنوعة . مثال ذلك : إذا كان مستأجر لينسخ كتاب فإنه يضمن النسخة التي ينقل منها لأنها لازمة لا بد منها . فإذا كان قراب السيف لازما للصنعة فإنه يضمنه وهو أحسن من الأول .
والنساج يضمن الغزل الذي ينسجه . والنحاس يضمن النحاس الذي يصنعه إناء . والطحان يضمن الحب الذي يطحنه . وصاحب المعصرة يضمن السمسم أو بذر الخس أو الزيتون الذي يعصره ، وهلم جرا . وقد عرفت أن الصناع أجراء وقد أسقط النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم الضمان عن الأجراء . ولكن العلماء استثنوا الصناع فحكموا بضمانهم اجتهادا لضرورة الناس وفقد العمال . فلو لم يضمنوا لسهل عليهم التصرف فيما تحت أيديهم بدعوى أنه هلك منهم . وفي ذلك ضرر عظيم يعود عليهم وعلى الناس ، لأن تبديد سلع الناس يوجب عدم الثقة بهم وانصراف الناس عنهم . فتتعطل مصالح الناس ويكثر العاطلون من الصناع . وفي ذلك ضرر عظيم على الأمم . فمصالح الناس وصيانة أموالهم تقضي تضمين العمال وكثيرا ما يبنى مالك مذهبه على المصالح العامة في مثل هذه الأحوال للضرورة .
أما ما نقله بعضهم من أن مالكا ينظر إلى المصلحة مهما ترتب عليها من ارتكاب المحظور حتى أجاز قتل ثلث الناس لإصلاح الثلثين فهو مكذوب على مالك رضي اللَّه عنه . فإن الشريعة قد جعلت للناس حدودا يقفون عندها ، وجعلت للجناية عقوبات خاصة . فمن ثبتت عليه جناية ينال جزاءها . وبذلك ينصلح الناس ، وتستقيم أحوالهم . أما ذلك القول الهراء ، فإنه يفتح باب الشر على مصراعيه ، ويجعل الظلمة سبيلا على الأبرياء فيسفكون دماءهم بحجة أن فيه إصلاحا للناس وأي مجتهد يجرأ على تقرير تلك القاعدة الفاسدة ، ولذا قال بعض أئمة المالكية لا يصح أن يسطر هذا في الكتب فإنه لا يوافق شيئا من القواعد الشرعية .
ومن ذلك ما قاله بعضهم من أن الناس إذا كانوا في مركب وثقلت بهم فإنهم يقترعون على من يلقى منهم في البحر لنجاة الباقين فإن ذلك ليس بصحيح فإنه لا معنى لإزهاق روح إنسان من أجل حياة مثله فلا يصح أن يرمى آدمي في البحر لنجاة الباقين ولو ذميا .
وإنما يضمن الصانع ما تحت يده بشروط :
الشرط الأول : أن ينصب نفسه للصنعة لعموم الناس ، كأن يجعل له محلا خاصا يتقبل فيه مصنوعات الناس - لا فرق في ذلك بين أن يعمل في دكان بالسوق أو يعمل في داره - فإن لم ينصب نفسه لصنعة ولم يجعلها سبب معاشه كنجار ترك صنعه النجارة واشتغل بالزراعة ثم عمل لشخص بخصوصه أو عمل لجماعة بخصوصهم فإنه لا ضمان عليه فيما تلف أو هلك من صنعته سواء استلم المتاع ليعمله في داره أو عمله بمنزل صاحبه .