والحنابلة ، فانظر مذهبيهما تحت الخط ( 1 ) ، إلا إذا أدى الصوم إلى الخوف على
شرح
كُتِبَ عَلَيْكُمُ ) * وقوله * ( مَعْدُوداتٍ ) * أي ان الصيام مكتوب مفروض والعدد مأخوذ في الفرض . وكما لا يرفع اليد عن أصل الفرض كذلك لا يرفع اليد عن العدد . فلو عرض عارض يوجب ارتفاع الحكم الفرض عن الأيام المعدودات التي هي أيام شهر رمضان كعارض المرض والسفر فإنه لا يرفع اليد عن صيام عدة أيام أخر خارج شهر رمضان تساوي ما فات المكلف من الصيام عددا . وهذا الظهور هو المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهو مذهب جمع من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعروة بن زبير . واما المحاولة لدفع هذا الظهور من الآية المباركة بتقدير فأفطر فتصير الآية فمن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر فيرد عليه أولا : أن التقدير كما صرحوا به خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بقرينة ولا قرينة من نفس الكلام عليه .
وثانيا : إن الكلام على تقدير تسليم التقدير لا يدل على الرخصة فإن المقام كما ذكروه مقام التشريع وقولنا فمن كان مريضا أو على سفر فأفطر غاية ما يدل عليه إن الإفطار لا يقع بمعنى عدم كونه إلزاميا فلا دليل عليه من الكلام البتة بل الدليل على الخلاف فان بناء الكلام في مقام التشريع على عدم بيان ما يجب بيانه لا يليق بالمشرع الحكيم وهو ظاهر « 63 » .
وما قيل أن قوله تعالى * ( وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) * خطاب للمعذورين دون عموم المؤمنين المخاطبين بالفرض والكتابة فإن ظاهرها رجحان فعل الصوم غير المانع من الترك فيناسب الاستحباب دون الوجوب .
يرد عليه : عدم الدليل عليه أولا ، واختلاف الجملتين أعنى قوله * ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ) * إلى آخره وقوله * ( أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) * بالغيبة والخطاب ثانيا . وإن الجملة الأولى مسوغة لبيان الترخيص والتخيير بل ظاهر قوله تعالى * ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) * تعيين الصوم في أيام أخر كما مر ثالثا . وإن الجملة الأولى على تقدير ورودها لبيان الترخيص في حق المعذور لم يذكر الصوم والإفطار حتى يكون قوله وأن تصوموا خير لكم بيانا لأحد طرفي التغيير « 64 » بل انما ذكرت صوم شهر رمضان وصوم عدة من أيام أخر وحينئذ لا سبيل إلى استفادة ترجيح صوم شهر رمضان على صوم غيره من مجرد قوله أن تصوموا خير لكم من غير قرينة ظاهرة رابعا . إن المقام ليس مقام بيان الحكم حتى ينافي ظهور الرجحان كون الحكم وجوبيا بل المقام كما مر سابقا مقام ملاك التشريع وان الحكم المشروع لا يخلو عن المصلحة والخير والحسن كما في قوله * ( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) * وقوله تعالى * ( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله وذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * وقوله تعالى * ( تُؤْمِنُونَ بِالله ورَسُولِه وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . والآيات في ذلك كثيرة . خامسا .
( 1 ) المالكية - قالوا : الأفضل للمسافر الصوم إن لم يحصل له مشقة .
الحنابلة - قالوا : يسن للمسافر الفطر ، ويكره له الصوم ، ولو لم يجد مشقة لقوله صلى الله عليه وسلم : « ليس من البر الصوم في السفر » .
هامش
« 63 » تفسير الميزان 2 / 10 .
« 64 » تفسير الميزان 2 / 14 .