لربهم ، فتتوثق بينهم روابط الألفة ، وتقوى صلات المحبة ، وتحيا في أنفسهم عاطفة الرحمة والرفق ، وتموت عوامل البغضاء والحقد ، وكل منهم ينظر إلى الآخر نظرة المودة والإخاء ، فيعين قويهم ضعيفهم ، ويساعد غنيهم فقيرهم ، ويرحم كبيرهم صغيرهم ، ويوقر صغيرهم كبيرهم ، ويشعرون جميعا بأنهم عبيد اللَّه وحده ، وأنه هو الغني الحميد ، ذو السلطان القاهر ، والعظمة التي لا حدّ لها .
ذلك بعض أغراض الشريعة الإسلامية من حثّ الناس على الاجتماع في العبادة ، ومما لا ريب فيه أن تعدد المساجد لغير حاجة يذهب بهذه المعاني السامية ، لأن المسلمين يتفرقون في المساجد ، فلا يشعرون بفائدة الاجتماع ، ولا تتأثر أنفسهم بعظمة الخالق الذي يجتمعون لعبادته خاضعين متذللين ، فمن أجل ذلك قال بعض الأئمة : إذا تعددت المساجد لغير حاجة ( 1 ) فإن الجمعة لا تصح إلَّا لمن سبق بها في هذه المساجد ، فمن سبق بيقين كانت الجمعة له ، وأما غيره فإنه يصليها ظهرا ، وإليك بيان آراء المذاهب في هذا الموضوع تحت الخط ( 2 ) .
شرح
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : ذكرنا أنه لا بد أن يكون فصل بين جمعتين لا يقل عن فرسخ وهو خمس كيلومترات ونصف فلو أقيمت جمعتان فيما دون فرسخ بطلتا جميعا إذا كانتا مقترنتين زمانا وإلَّا فالسابقة صحيحة دون التالية « 444 » .
( 2 ) الشافعية - قالوا : إما أن تتعدد الأمكنة التي تقام فيها الجمعة لغير حاجة إلى هذا التعدد ، أو تتعدد لحاجة ، كأن يضيق المسجد الواحد عن أهل البلدة ، فإذا تعددت المساجد أو الأمكنة التي تقام فيها الجمعة لغير حاجة كانت الجمعة لمن سبق بالصلاة ، بشرط أن يثبت يقينا أن الجماعة التي صلَّت في هذا المكان سبق غيرها بتكبيرة الإحرام ، أما إذا لم يثبت ذلك ، بل ثبت أنهم صلَّوا جميعا في وقت واحد ، بأن كبروا تكبيرة الإحرام معا ، أو وقع شك في أنهم كبروا معا ، أو سبق أحدهم بالتكبير فإن صلاتهم تبطل جميعا ، وفي هذه الحالة يجب عليهم أن يجتمعوا معا ، ويعيدوها جمعة إن أمكن ذلك ، وإن لم يمكن صلَّوها ظهرا ، أما إذا تعددت لحاجة ، فإن الجمعة تصح في جميعها ، ولكن يندب أن يصلوا الظهر بعد الجمعة .
المالكية - قالوا : إذا تعددت المساجد في بلد واحد ، فإن الجمعة لا تصح إلَّا في أول مسجد أقيمت فيه الجمعة في البلد ، ولو كان بناؤه متأخرا ، مثلا إذا كان في البلد - زوايا - لم تقم فيها الجمعة ، ثم بنى مسجد أقيمت فيه الجمعة ، ثم بنى بعده مسجد آخر أقيمت فيه الجمعة ، فإن الجمعة لا تصح إلَّا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة أولا ، ولكن هذا الحكم عندهم مشروط بأربعة شروط : أحدها : أن لا يهجر القديم بالصلاة في الجديد ، بأن يترك الناس الصلاة في القديم رغبة في الجديد بدون عذر ، ثانيها : أن يكون القديم ضيقا ، ولا يمكن توسعته ، فيحتاج الناس إلى الجديد ، - المسجد الضيق هو الذي لا يسع من يغلب حضورهم الجمعة ، وإن لم تكن واجبة عليهم - ، ثالثها : أن لا يخشى من اجتماع أهل البلدة في مسجد واحد حدوث فتنة أو
هامش
« 444 » منهاج الصالحين المجلد الأول ص 910 .