والخشية المطلوبة من زيارة القبور ، فضلا عما فيها من امتهان المقابر ، يدل لذلك ما رواه ابن ماجة بسند جيد عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حيث قال :
« لأن أمشي على جمرة ، أو صيف ، أو أخصف نعلي برجلي ، أحب إليّ من أن أمشي على قبر » . والمراد بالصيف شدة حر الأرض ، وخصف النعل عبارة عن ترقيعها ، ولا يخفى ما في هذا من الشدة ، فإن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يفضل أن يرقع نعله بجلد رجله ، ولا يمشي على المقبرة ، وسيأتي بيان هذا المبحث في « مباحث الجنازة » إن شاء اللَّه .
ثالثا : لا يجوز ( 1 ) أن يقضي حاجته في الماء الراكد ، وهذا أيضا من الأمكنة التي لا يجوز قضاء الحاجة فيها ، والماء الراكد هو الذي لا يجري ، فقد روى جابر عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه نهى أن يبال بالماء الراكد ، رواه مسلم ، وابن ماجة ، وغيرهما ، ويلحق بالبول التغوط ، لأنه أقبح ، والنهي عنه أشد ، وفي النهي عن البول في الماء الراكد تفصيل المذاهب ( 2 ) .
شرح
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : يكره ذلك نعم إذا كان الماء مورد انتفاع الناس وكان قضاء الحاجة من الماء الراكد موجبا للضرر كان حراما .
( 2 ) المالكية - قالوا : يحرم قضاء الحاجة في الماء الراكد إذا كان قليلا ، أما إذا كان مستبحرا كالماء الموجود في البحيرات التي في الحدائق الكبيرة ، والأحواض الواسعة ، فإن البول فيه لا يحرم ، إلَّا إذا كان مملوكا للغير ، ولم يأذن باستعماله ، أو أذن باستعماله ، ولم يأذن بالبول فيه ، وإلَّا كان البول فيه حراما ، فإن كان جاريا ، فإن البول فيه يجوز ، إلَّا إذا كان مملوكا للغير ، ولم يأذن فيه ، أو كان موقوفا .
الحنفية - قالوا : يحرم قضاء الحاجة في الماء القليل الراكد حرمة شديدة ، فإن كان كثيرا كره البول فيه تحريما ، بمعنى أن الحرمة تكون أخف لكثرته ، فإذا كان الماء جاريا فإن البول فيه يكره تنزيها ، إلَّا إذا كان مملوكا للغير ، ولم يأذن بالبول فيه ، فإنه يحرم البول فيه وإن كان كثيرا ، ومثله الموقوف .
الحنابلة - قالوا : يحرم التغوط في الماء الراكد والجاري ، سواء كان قليلا ، أو كثيرا ، إلَّا ماء البحر ، فإنه لا يحرم فيه ذلك ، لما قد تقتضيه ضرورة الأسفار ، فضلا عن اتساعه ، وعدم ظهور شيء من ذلك فيه ، أما البول فإنه يكره في الماء الراكد ، ولا يحرم ، كما يكره البول في الماء الجاري الكثير ، ولا يكره في الماء الجاري القليل ، ومحل هذا كله إذا لم يكن الماء موقوفا ، أو مملوكا للغير ولم يأذن في استعماله إذنا عاما ، وإلَّا حرم قضاء الحاجة فيه مطلقا .
الشافعية - قالوا : لا يحرم قضاء الحاجة في الماء قليلا كان ، أو كثيرا ، ولكن يكره فقط إلَّا إذا كان الماء مملوكا للغير ، ولم يأذن في استعماله ، أو كان مسيلا ولم يستبحر ، فإنه يحرم في هاتين الحالتين إلَّا أنهم فرقوا في الكراهة بين الليل والنهار ، فقالوا : يكره قضاء الحاجة نهارا في الماء القليل ، لا فرق بين أن يكون راكدا أو جاريا ، أما في الليل فقالوا : يكره البول