اعتاد بعض الناس أن ينزل منه البول بعد أن يمشي ، أو يقوم ، أو يأتي بحركة من الحركات المعتادة له ، فالذي يريد الاستنجاء يلزمه الاستبراء بحيث لا يجوز له أن يتوضأ ، وهو يشك في انقطاع بوله ، فإنه إذا توضأ في هذه الحالة ، ونزلت منه قطرة بول لم ينفع وضوءه ، فواجبة أن يخرج ما عساه أن يكون موجودا حتى يغلب على ظنه أنه لم يبق في المحل شيء ، وهذا واجب باتفاق ( 1 ) ، فلم يختلف فيه أحد ، إلَّا أن بعضهم قال : إن الاستبراء لا يجب إلَّا إذا غلب على الظن ( 2 ) أن بالمحل شيء ، وبعضهم قال : إن الاستبراء واجب حتى يغلب على الظن أنه لم يبق بالمحل شيء ، والأمر في ذلك هين .
ثانيها : المكان الذي يحرم قضاء الحاجة فيه : يحرم قضاء الحاجة فوق المقبرة ( 3 ) ، وعلة ذلك ظاهرة ، فإن المقابر محل عظات وعبرة ، فمن سوء الأدب والخلق أن يكشف الإنسان فوقها سوءته ، ويلوثها بالأقذار الخارجة منه ، على أنه قد صح عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه حثّ على زيارة القبور ، لتذكر الآخرة ، فمن الجهل والحماقة أن يتخذ الناس الأماكن التي تزار للتذكر والاعتبار محلا للبول والتبرز ، فالنهي عن قضاء الحاجة فوق المقابر لذلك ، أما ما ورد من الأحاديث فإنه لا يفيد هذا المعنى صريحا ، ومنها ما رواه مسلم ، وأبو داود ، وغيرهما أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لأن يجلس أحدكم على جمرة ، فتحرق ثيابه ، فتخلص إلى جلده ، خير له ، من أن يجلس على قبر » ، فهذا الحديث حمله بعض العلماء على الجلوس عليها لقضاء الحاجة ، ولكن ليس في الحديث ما يشير إلى هذا ، بل الذي يفيده الحديث أن المراد بالجلوس عليها اتخاذها مكانا للهو الحديث والتسلية ، كما يفعله بعض جهلة القرى ، فإنهم كانوا يتخذون من بعض المقابر مجلسا لينتفعوا بالشمس ، أو الظل ، والتحدث ، كما يفعل أهل المدن بالاجتماع في النوادي ، ولا ريب أن هذه الحالة تنافي الموعظة
شرح
( 1 ) أهل البيت ( ع ) : ليس بواجب كما تقدم .
( 2 ) الشافعية - هم القائلون وحدهم : إن الاستبراء لا يجب إلَّا إذا غلب على الظن أن بالمحل شيئا من النجاسة .
( 3 ) الحنفية - قالوا : يكره قضاء الحاجة فوق المقبرة كراهة تحريم ، وعلى كل حال فهم متفقون مع غيرهم في تأثيم من يفعل ذلك ، إلَّا أن غيرهم قال : إن إثمه شديد ، ومذهب غيرهم هو الظاهر ، لما ذكرناه لك من العلة .
أهل البيت ( ع ) : إذا ترتب بفعل ذلك إهانة عرفية لحرمة قبور المؤمنين صار حراما لأن المؤمن محترم حيا وميتا .