شرح
والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه « 57 » . قال : وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها .
قلت : أما أخبار الغسل فستعلم رأي أئمة أهل البيت وأوليائهم فيها قريبا إن شاء اللَّه تعالى .
وأما قوله بأن الغسل مشتمل على المسح ، فمغالطة واضحة ، بل هما حقيقتان لغة وعرفا وشرعا « 58 » فالواجب إذا هو القطع بأن غسل الأرجل لا يقوم مقام مسحها .
ولكن الإمام الرازي وقف بين محذورين : هما مخالفة الآية المحكمة ومخالفة الأخبار الصحيحة في نظره ، فغالط نفسه بقوله أن الغسل مشتمل على المسح وإنه أقرب إلى الاحتياط وأنه يقوم مقام المسح ، ظنا منه بأنه قد جمع بهذا بين الآية والأخبار . ومن أمعن في دفاعه هذا وجده في ارتباك ولولا أن الآية واضحة الدلالة على وجوب المسح ، ما احتاج إلى جعل الغسل قائماً مقامه ، فأمعن وتأمل مليا .
وعلى هذا المنهاج جرى جماعة من جهابذة الفقه والعربية ، منهم الفقيه الشيخ إبراهيم الحلبي ، إذ بحث الآية في الوضوء من كتابه - غنية المتملي في شرح منية المصلي على المذهب الحنفي - فقال قرأ في السبعة بالنصب والجر ، والمشهور أن النصب بالعطف على وجوهكم والجر على المجرور . قال : والصحيح أن الأرجل معطوفة على الرؤوس في القراءتين ، ونصبها على المحل ، وجرها على اللفظ . قال : وذلك لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ، هي * ( وامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) * قال : والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة . قال : ولم نسمع في الفصيح ضربت زيدا ومررت ببكر وعمرا ، بعطف عمرا على زيدا . قال : وأما الجر على الجوار ، فإنما يكون على قلة في النعت كقول بعضهم : هذا جحر ضب خرب ، وفي التأكيد كقول الشاعر :يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم
أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب.
بجر كلهم على ما حاكاه الفراء . قال : وأما في عطف النسق فلا يكون . لأن العاطف يمنع المجاورة . هذا كلامه بنصه وممن نهج هذا المنهاج الواضح أبو الحسن الإمام محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي ، في حاشيته على سنن ابن ماجة إذ قال : - بعد أن جزم بأن ظاهر القرآن هو المسح - وإنما كان المسح هو ظاهر الكتاب ، لأن قراءة الجر ظاهرة فيه .
وحمل قراءة النصب عليها يجعل العطف على المحل أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب كما صرح به النحاة . قال : لشذوذ الجوار واطراد العطف على المحل ، قال : وأيضا فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه ، فصار ظاهر القرآن هو المسح هذا
هامش
« 57 » لا يأتي الاحتياط إلا بالجمع بين المسح والغسل لكونهما حقيقتين مختلفتين .
« 58 » لأن الغسل مأخوذ في مفهومه سيلان الماء على المغسول ولو قليلا والمسح مأخوذ في مفهومه عدم السيلان والاكتفاء بمرور اليد على الممسوح .