تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي أَنَّ الْوَلَدَ إذَا مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَلَهُ وَلَدٌ ؛ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَنْ وَلَدٍ آخَرَ ، وَعَنْ وَلَدِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ : هَلْ يَشْتَرِكَانِ ؟ أَوْ يَنْفَرِدُ بِهِ الْأَوَّلُ ؟ الْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَاد أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ مُسْتَحِقٌّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ - سَوَاءٌ كَانَ عَمُّهُ حَيّاً أَوْ مَيِّتاً - فَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ إذاً يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْأَبِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرْتِيبِ الْعَصَبَةِ : أَنَّهُمْ الِابْنُ ، ثُمَّ ابْنُهُ ، ثُمَّ الْأَبُ ، ثُمَّ أَبُوهُ ؛ ثُمَّ الْعَمُّ ، ثُمَّ بَنُو الْعَمِّ ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْأُولَى . فَمَتَى كَانَتْ الثَّانِيَةُ مَوْجُودَةً وَالْأُولَى لَا اسْتِحْقَاقَ لَهَا اُسْتُحِقَّتْ الثَّانِيَةُ ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُولَى اُسْتُحِقَّتْ أَوْ لَمْ تُسْتَحَقَّ ؛ وَلَا يُشْتَرَطُ لِاسْتِحْقَاقِ الثَّانِيَةِ اسْتِحْقَاقُ الْأُولَى ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ تَتَلَقَّى الْوَقْفَ مِنْ الْوَاقِفِ ، لَا مِنْ الثَّانِيَةِ ، فَلَيْسَ هُوَ كَالْمِيرَاثِ الَّذِي يَرِثُهُ الِابْنُ ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى ابْنِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْوَلَاءِ الَّذِي يُورَثُ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ ابْنُ الْمُعْتِقِ قَدْ مَاتَ فِي حَيَاةِ الْمُعْتَقِ ؛ وَرِثَ الْوَلَاءَ ابْنُ ابْنِهِ . وَإِنَّمَا يَغْلَطُ مَنْ يَغْلَطُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِينَ يَظُنُّ أَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ تَتَلَقَّى مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْأُولَى شَيْئاً لَمْ تَسْتَحِقَّ الثَّانِيَةُ . ثُمَّ يَظُنُّونَ أَنَّ الْوَالِدَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ابْنُهُ ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ هُمْ يَتَلَقَّوْنَ مِنْ الْوَاقِفِ ؛ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْأُولَى مَحْجُوبَةً بِمَانِعٍ مِنْ الْمَوَانِعِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ فِي الْمُسْتَحِقِّينَ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ، أَوْ عُلَمَاءَ ، أَوْ عُدُولاً ؛ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ الْأَبُ مُخَالِفاً لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَابْنُهُ مُتَّصِفاً بِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِابْنَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَبُوهُ . كَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ ابْنُهُ . وَهَكَذَا جَمِيعُ التَّرْتِيبِ فِي الْحَضَانَةِ ، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ وَالْمَالِ ، وَتَرْتِيبُ عَصَبَةِ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ فِي الْمِيرَاثِ وَسَائِرِ مَا جُعِلَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِيهِ طَبَقَاتٍ وَدَرَجَاتٍ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ . وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ الْوَاقِفُونَ إذَا سَأَلُوا عَنْ مُرَادِهِمْ . وَمَنْ صَرَّحَ مِنْهُمْ بِمُرَادِهِ فَإِنَّهُ يُصَرِّحُ بِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَا يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهِ لَوْ كَانَ حَيّاً ؛ لَا سِيَّمَا وَالنَّاسُ يَرْحَمُونَ مَنْ مَاتَ وَالِدُهُ وَلَمْ يَرِثْ ؛ حَتَّى إنَّ الْجَدَّ قَدْ يُوصِي لِوَلَدِ وَلَدِهِ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ نِسْبَةَ هَذَا الْوَلَدِ وَنِسْبَةَ وَلَدِ ذَلِكَ الْوَلَدِ إلَى الْجَدِّ سَوَاءٌ . فَكَيْفَ يَحْرِمُ وَلَدَ وَلَدِهِ الْيَتِيمَ وَيُعْطِي وَلَدَ وَلَدِهِ الَّذِي لَيْسَ بِيَتِيمٍ ؟ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقْصِدُهُ عَاقِلٌ . وَمَتَى لَمْ نَقُلْ بِالتَّشْرِيكِ بَقِيَ الْوَقْفُ فِي هَذَا الْوَلَدِ وَوَلَدِهِ ؛ دُونَ ذُرِّيَّةِ الْوَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .