تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ جَاءُوا إلَى الْبَحْرِ فَوَجَدُوا الزَّيْتَ عَلَى الْمَاءِ ، فَجَمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْمَرْكَبُ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ ، فَهَذَا الزَّيْتُ الْمَجْمُوعُ حَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ ؟ وَمَرْكَبُ رُمَّانٍ غَرِقَتْ ، وَجَمِيعُ مَا فِيهَا انْحَدَرَ فِي الْبَحْرِ ، فَبَقِيَ كُلُّ أَحَدٍ يَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ صَاحِبٌ ، فَهَلْ هُوَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ حَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ ؟ الْجَوَابُ : الَّذِينَ جَمَعُوا الزَّيْتَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ قَدْ خَلَّصُوا مَالَ الْمَعْصُومِ مِنْ التَّلَفِ ، وَلَهُمْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَالزَّيْتُ لِصَاحِبِهِ . وَأَمَّا كَوْنُ الزَّيْتِ لِصَاحِبِهِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعاً إلَّا نِزَاعاً قَلِيلاً ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ بِأَنَّهُ قَالَ : هُوَ لِمَنْ خَلَّصَهُ . وَأَمَّا وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِمَنْ خَلَّصَهُ ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَصَحُّهُمَا : وُجُوبُ الْأُجْرَةِ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُخَلِّصَ مُتَبَرِّعٌ وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ يَقُولُونَ : إنْ خَلَّصُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ خَلَصُوهُ لِأَجْلِ الْعِوَضِ فَلَهُمْ الْعِوَضُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُفْعَلْ لَأَفْضَى إلَى هَلَاكِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُخَلِّصُوهَا مِنْ الْمَهَالِكِ إذَا عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ . وَالصَّحَابَةُ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ اشْتَرَى أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفَّارِ : أَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ بِالثَّمَنِ ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَّصَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ ، وَلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ مُسْتَهْلَكاً ، لَوْلَا أَخْذُ هَذَا ، وَتَخْلِيصُهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ لَيْسَ هُوَ عَاصِياً فِيهِ ، فَيَكُونُ الْمَالُ إذَا حَصَلَ بِعَمَلِ هَذَا ، وَالْأَصْلُ لِهَذَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكاً بَيْنَهُمَا ، لَكِنْ لَا تَجِبُ الشَّرِكَةُ عَلَى الْبَيْنِ ، فَيَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ ، فَإِنْ عَادَةَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مَنْ يُخَلِّصُ لَهُمْ هَذَا بِالْأُجْرَةِ ، وَالْإِجَارَةِ تَثْبُتُ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، كَمَنْ دَخَلَ إلَى حَمَّامٍ ، أَوْ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بِغَيْرِ مُشَارَطَةٍ ، وَكَمَنْ دَفَعَ طَعَاماً إلَى طَبَّاخٍ وَغَسَّالٍ بِغَيْرِ مُشَارَطَةٍ ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ حَيَوَاناً فَخَلَّصَهُ مِنْ مَهْلَكَةٍ ، مَلَكَهُ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ ، بِخِلَافِ الْمَتَاعِ ، فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لِحُرْمَةِ صَاحِبِهِ ، فَهُنَاكَ تَخْلِيصُهُ لَحِقَ الْحَيَوَانَ وَهُوَ بِالْمَهْلَكَةِ قَدْ يَيْأَسُ صَاحِبُهُ ، بِخِلَافِ الْمَتَاعِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَقُولُ لِلْمُخَلِّصِ كَانَ يَجُوزُ لَك مِنْ حِينِ أَنْ أَدَعَهُ ، أَوْ الْحَقُّ فِيهِ لِي ، فَإِذَا لَمْ تُعْطِنِي حَقِّي لَمْ آذَنْ لَك فِي تَخْلِيصِهِ