بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ } فَإِنَّهُ : إمَّا مُقَلِّدٌ ، وَإِمَّا مُجْتَهِدٌ .
فَالْمُقَلِّدُ لَا يُنْكِرُ الْقَوْلَ الَّذِي يُخَالِفُ مَتْبُوعَهُ إنْكَارَ مَنْ يَقُولُ هُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ؛ فَضْلاً عَنْ أَنْ يُحَرِّمَ الْقَوْلَ بِهِ ، وَيُوجِبَ الْقَوْلَ بِقَوْلِ سَلَفِهِ .
وَالْمُجْتَهِدُ يَنْظُرُ وَيُنَاظِرُ ، وَهُوَ مَعَ ظُهُورِ قَوْلِهِ لَا يُسَوِّغُ قَوْلَ مُنَازَعِيهِ الَّذِي سَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَهُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّهُ خَالَفَ نَصّاً وَلَا إجْمَاعاً ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ التَّقْلِيدِ السَّائِغِ وَالِاجْتِهَادِ كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ الَّذِينَ { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } .
وَكَانَ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ .
وَمَنْ قَالَ إنَّهُ اتَّبَعَ هَذِهِ الْفُتْيَا فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ وَلَدُ زِناً ؛ كَانَ هَذَا الْقَائِلُ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ ، وَالْمُشَاقَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
وَعَلَى الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى يَقْصِدُ بِهِ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ ، أَوْ الْكَفَّارَةُ .
وَلَوْ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ ، كَالتَّطْلِيقِ ، وَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ : لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ بَلْ يَجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ يُكْرَهُ وُقُوعُهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ ، كَمَا يُكْرَهُ وُقُوعُ الْكُفْرِ ؛ فَلَا يَقَعُ ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
549 - 12 - مَسْأَلَةٌ : فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ ، وَفِي ظَاهِرِ الْحَالِ أَنَّهُ حُرٌّ ، فَأَقَامَتْ فِي صُحْبَتِهِ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا ، وَطَالَبَتْهُ بِحُقُوقِهَا ، فَقَالَ : أَنَا مَمْلُوكٌ يَجِبُ الْحَجْرُ عَلَيَّ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِحَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ ؟ .
الْجَوَابُ : حَقُّ الزَّوْجَةِ ثَابِتٌ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَاهُ الرِّقَّ لَا يُسْقِطُ حَقَّهَا ، وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 313
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٣