وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ : الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا تَتَنَوَّعُ اللُّغَاتُ فِي الْأَلْفَاظِ ؛ لَا فِي الْمَعَانِي ؛ بَلْ مَا كَانَ مَعْنَاهُ يَمِيناً أَوْ أَمْراً أَوْ نَهْياً عِنْدَ الْعَجَمِ ، فَكَذَلِكَ مَعْنَاهُ يَمِينٌ أَوْ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ عِنْدَ الْعَرَبِ .
وَهَذَا أَيْضاً يَمِينُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ وَهُوَ يَمِينٌ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ ، وَيَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ .
وَإِذَا كَانَ يَمِيناً فَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْيَمِينِ إلَّا حُكْمَانِ : إمَّا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً مُحْتَرَمَةً فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ .
وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُنْعَقِدَةً مُحْتَرَمَةً - كَالْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ : مِثْلُ الْكَعْبَةِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ .
فَأَمَّا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ ، مُحْتَرَمَةٌ ، غَيْرُ مُكَفَّرَةٍ : فَهَذَا حُكْمٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَقُومُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمَقَامَ .
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ دَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ ؛ بَلْ كَانَتْ مِنْ الْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ : فَلَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ لَا كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا ، فَتَكُونُ مُهْدَرَةً .
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِلْزَامَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لِلْحَالِفِ مِنْ يَمِينِهِ حُكْمٌ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، وَحَسَبُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ .
فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ الْعَمَلُ بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ : فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النِّزَاعِ وَالْأَدِلَّةِ .
وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ كَأَنْ حَسِبَهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سَائِغاً لَا يُمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ وَالْفُتْيَا بِهِ .
أَمَّا إلْزَامُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ : فَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ .
فَمَنْ مَنَعَ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَتَقْلِيدِ مَنْ نَفَى بِذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ .
وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ ، فَهَذَا حَسْبُهُ أَنْ يُعْذَرَ ؛ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ ، وَمُعَانِدٌ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ إذَا ظَهَرَ لَهُ ، وَلَا يُصْغِي لِمَنْ يَقُولُهُ لِيَعْرِفَ مَا قَالَ ؛ بَلْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 312
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٢