فَكَيْفَ يَسُوغُ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ أَنْ يُلْزِمَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، مَعَ مَا لَهُمْ [ مِنْ ] مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ صِيَانَةِ أَنْفُسِهِمْ ، وَحَرِيمِهِمْ ، وَأَمْوَالِهِمْ ، وَأَعْرَاضِهِمْ ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ ، وَصِلَةِ أَرْحَامِهِمْ ؛ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : مَا يُوجِبُ تَرْجِيحَهُ لِمَنْ لَا يَكُونُ عَارِفاً بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ عَارِفاً بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
فَإِنَّ الْقَائِلَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ الْحُجَّةِ مَا يُقَاوِمُ قَوْلَ مَنْ نَفَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ .
[ وَلَوْ ] اجْتَهَدَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي إقَامَةِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ سَالِمٍ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الْحَالِفِ لَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا عَجَزَ عَنْ تَحْدِيدِ ذَلِكَ .
فَهَلْ يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا يُخَالِفُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَخْرُجَ عَنْ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ .
وَهُوَ لَمْ يُعَارِضْ نَصّاً وَلَا إجْمَاعاً وَلَا مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ لَيْسَ لِأَحَدٍ الْمَنْعُ مِنْ الْفُتْيَا بِهِ وَالْقَضَاءِ بِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رُجْحَانُهُ ، فَكَيْفَ إذَا ظَهَرَ رُجْحَانُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَبَيَّنَ مَا لِلَّهِ فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ .
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } وَقَالَ فِي كِتَابِهِ : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ } .
وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : { إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا إلَّا أَتَيْتَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتهَا } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ الْكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ } .
وَقَالَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 310
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٠