وَأَمَّا طَلَبُ حِفْظِ الْقُرْآنِ : فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا تُسَمِّيهِ النَّاسُ عِلْماً : وَهُوَ إمَّا بَاطِلٌ ، أَوْ قَلِيلُ النَّفْعِ .
وَهُوَ أَيْضاً مُقَدَّمٌ فِي التَّعَلُّمِ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ عِلْمَ الدِّينِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّ مِثْلِ هَذَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ أَنْ يَبْدَأَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ أَصْلُ عُلُومِ الدِّينِ ، بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْأَعَاجِمِ وَغَيْرِهِمْ ، حَيْثُ يَشْتَغِلُ أَحَدُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْعِلْمِ ، مِنْ الْكَلَامِ ، أَوْ الْجِدَالِ ، وَالْخِلَافِ ، أَوْ الْفُرُوعِ النَّادِرَةِ ، وَالتَّقْلِيدِ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، أَوْ غَرَائِبِ الْحَدِيثِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا ، وَكَثِيرٍ مِنْ الرِّيَاضِيَّاتِ الَّتِي لَا تَقُومُ عَلَيْهَا حُجَّةٌ ، وَيَتْرُكُ حِفْظَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَلَا بُدَّ فِي مِثْلِ [ هَذِهِ ] الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ .
وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ فَهْمُ مَعَانِيهِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِمَّةَ حَافِظِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالدِّينِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
195 - 111 سُئِلَ : عَنْ تَكْرَارِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ أَجْراً .
أَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامُ اللَّهِ لَا يُقَاسُ بِهِ كَلَامُ الْخَلْقِ ، فَإِنَّ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ .
وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ : فَهُوَ بِحَسَبِ حَاجَتِهِ ، وَمَنْفَعَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى تَعَلُّمِ غَيْرِهِ ، فَتَعَلُّمُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرَارِ التِّلَاوَةِ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَفِظَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يَكْفِيهِ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى عِلْمٍ آخَرَ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ، أَوْ بَعْضَهُ ، وَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَعَانِيه فَتَعَلُّمُهُ لِمَا يَفْهَمُهُ مِنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ تِلَاوَةِ مَا لَا يَفْهَمُ مَعَانِيَهُ .
وَأَمَّا مَنْ تَعَبَّدَ بِتِلَاوَةِ الْفِقْهِ فَتَعَبُّدُهُ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ ، وَتَدَبُّرُهُ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ تَدَبُّرِهِ لِكَلَامٍ لَا يَحْتَاجُ لِتَدَبُّرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 235
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٥