وَالرَّغْبَةَ إلَيْهِ ، وَهَذَا خَوْفُ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ بِأَنَّهُ أَوَّاهٌ ، وَقَدْ فُسِّرَ بِاَلَّذِي يَتَأَوَّهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ .
وَلَوْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ بِأَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ أَوْ سَأَلَ الْجَنَّةَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْأَنِينِ وَالتَّأَوُّهِ فِي الْمَرَضِ وَالْمُصِيبَةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ كَانَ كَلَاماً مُبْطِلاً .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ { عَائِشَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ ، إذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ ، قَالَ : مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ ، إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ } وَكَانَ عُمَرُ يَسْمَعُ نَشِيجَهُ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوفِ لَمَّا قَرَأَ : { إنَّمَا أَشُكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ } .
وَالنَّشِيجُ : رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ ، كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ .
وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ عُمَرَ ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَهَذَا النِّزَاعُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوباً .
فَأَمَّا مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي مِنْ عُطَاسٍ وَبُكَاءٍ وَتَثَاؤُبٍ ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : إنَّهُ يُبْطِلُ ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُوراً : كَالنَّاسِي ، وَكَلَامُ النَّاسِي فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُبْطِلُ .
وَالثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ ، وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ النَّاسِي ، لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُعْتَادَةٌ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ } .
وَأَيْضاً فَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ { الَّذِي عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ وَشَمَّتَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ ، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاوِيَةَ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ } ؛ وَلَمْ يَقُلْ لِلْعَاطِسِ شَيْئاً .
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْعُطَاسَ يُبْطِلُ تَكْلِيفٌ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا عَنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الْحَلْقِيَّةَ الَّتِي لَا تَدُلُّ بِالْوَضْعِ فِيهَا نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، وَأَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهَا جَمِيعاً أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ فَإِنَّ الْأَصْوَاتَ مِنْ جِنْسِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 232
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٢