وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ ، وَالِاتِّبَاعِ ، لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ ، فَالْأَدْعِيَةُ وَالْأَذْكَارُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ أَفْضَلُ مَا يَتَحَرَّاهُ الْمُتَحَرِّي مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ، وَسَالِكُهَا عَلَى سَبِيلِ أَمَانٍ وَسَلَامَةٍ ، وَالْفَوَائِدُ وَالنَّتَائِجُ الَّتِي تَحْصُلُ لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانٌ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إنْسَانٌ ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَذْكَارِ قَدْ يَكُونُ مُحَرَّماً ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهاً ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ شِرْكٌ مِمَّا لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَهِيَ جُمْلَةٌ يَطُولُ تَفْصِيلُهَا .
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسُنَّ لِلنَّاسِ نَوْعاً مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ غَيْرَ الْمَسْنُونِ وَيَجْعَلَهَا عِبَادَةً رَاتِبَةً يُوَاظِبُ النَّاسُ عَلَيْهَا كَمَا يُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ؛ بَلْ هَذَا ابْتِدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهِ ؛ بِخِلَافِ مَا يَدْعُو بِهِ الْمَرْءُ أَحْيَاناً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ لِلنَّاسِ سُنَّةً ، فَهَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى مُحَرَّماً لَمْ يَجُزْ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِهِ ؛ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَشْعُرُ بِهِ .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَدْعُو بِأَدْعِيَةٍ تُفْتَحُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ قَرِيبٌ .
وَأَمَّا اتِّخَاذُ وِرْدٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ ، وَاسْتِنَانُ ذِكْرٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ : فَهَذَا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ ، وَمَعَ هَذَا فَفِي الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ الصَّحِيحَةِ ، وَنِهَايَةُ الْمَقَاصِدِ الْعَلِيَّةِ ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُفَرِّطٌ أَوْ مُتَعَدٍّ .
181 - 97 مَسْأَلَةٌ : فِي الدُّعَاءِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَمَنْ أَنْكَرَ عَلَى إمَامٍ لَمْ يَدْعُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَمْ مُخْطِئٌ ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو هُوَ وَالْمَأْمُومُونَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَقِيبَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ؛ وَلَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ .
وَمَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ ، وَلَفْظُهُ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِهِ يُنَافِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَسْتَحِبُّوا ذَلِكَ .
وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا اسْتَحَبُّوا الدُّعَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ .
قَالُوا : لِأَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَا صَلَاةَ بَعْدَهُمَا ، فَتُعَوَّضُ بِالدُّعَاءِ عَنْ الصَّلَاةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 215
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٥