تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وَأَمَّا قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فَقَدْ رُوِيَتْ بِإِسْنَادٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ سُنَّةٌ . وَأَمَّا دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعاً عَقِيبَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْهُ { أَنَّهُ أَمَرَ مُعَاذاً أَنْ يَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك } وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَلَفْظُ دُبُرَ الصَّلَاةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ . كَمَا يُرَادُ بِدُبُرِ الشَّيْءِ مُؤَخِّرُهُ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ ، وَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضاً لِمَنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَتَدَبَّرَهُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهُنَا شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : دُعَاءُ الْمُصَلِّي الْمُنْفَرِدِ ، كَدُعَاءِ الْمُصَلِّي صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ ، وَدُعَاءُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ ، إمَاماً كَانَ أَوْ مَأْمُوماً . وَالثَّانِي : دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعاً ، فَهَذَا الثَّانِي لَا رَيْبَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ فِي أَعْقَابِ الْمَكْتُوبَاتِ ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَذْكَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْهُ ، إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقَلَهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، ثُمَّ التَّابِعُونَ ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ ، كَمَا نَقَلُوا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ : مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ عَقِيبَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا ، وَإِنَّمَا احْتَجُّوا بِكَوْنِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَا صَلَاةَ بَعْدَهُمَا . وَمِنْهُمْ : مَنْ اسْتَحَبَّهُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ، وَقَالَ : لَا يُجْهَرُ بِهِ ، إلَّا إذَا قُصِدَ التَّعْلِيمُ . كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ ، إلَّا مُجَرَّدَ كَوْنِ الدُّعَاءِ مَشْرُوعاً ، وَهُوَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ ، فَالدُّعَاءُ فِي آخِرِهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَبِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّ الدُّعَاءَ فِي آخِرِهَا وَاجِبٌ ، وَأَوْجَبُوا الدُّعَاءَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِرَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ : { إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ : مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَغَيْرُهُ ، وَكَانَ طَاوُسٌ يَأْمُرُ مَنْ لَمْ يَدْعُ بِهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 218 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا