بَعْدَ يَوْمَئِذٍ ، إلَّا قَالَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ : { اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ أَجِرْنِي مِنْ حَرِّ النَّارِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ } .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي " الْأَحْكَامِ " : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِدُبُرِ الصَّلَاةِ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ السَّلَامِ تَوْفِيقاً بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
قُلْت : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ { عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ ، فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَك اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَقَالَ : نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ } .
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ يُوَافِقُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَتُبَيِّنُ مَا تَقَدَّمَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
179 - 95 مَسْأَلَةٌ : فِي قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ فِي جَمَاعَةٍ ، هَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَمَا كَانَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ ؟ وَقَوْلُهُ : " دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ " ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَدْ رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ عَقِيبَ الصَّلَاةِ حَدِيثٌ ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ يَجْهَرُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ ، فَجَهْرُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِذَلِكَ ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ بِلَا رَيْبٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إحْدَاثُ شِعَارٍ ، بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَحْدُثَ آخِرَ جَهْرِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ دَائِماً ، أَوْ خَوَاتِيمِ الْبَقَرَةِ ، أَوْ أَوَّلِ الْحَدِيدِ ، أَوْ آخِرِ الْحَشْرِ ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ اجْتِمَاعِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ دَائِماً عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عَقِيبَ الْفَرِيضَةِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ .
وَأَمَّا إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ قَرَأَهَا أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ إذْ قِرَاءَتُهَا عَمَلٌ صَالِحٌ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ .
كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 213
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٣