تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
مَوْضُوعَةٌ . وَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَمَا كَانَ لِلرَّبِّ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ ، وَلِلْعَبْدِ ثَلَاثٌ وَنِصْفٌ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِسْمَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْآيَاتِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : { فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي } . وَهَؤُلَاءِ إشَارَةٌ إلَى جَمْعٍ ، فَعُلِمَ أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } إلَى آخِرِهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَعُدُّ الْبَسْمَلَةَ آيَةً مِنْهَا ، وَمَنْ عَدَّهَا آيَةً مِنْهَا جَعَلَ هَذَا آيَتَيْنِ . وَأَيْضاً فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ سُورَةٌ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ، وَالْبَسْمَلَةُ مَكْتُوبَةٌ فِي أَوَّلِهَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ . وَأَيْضاً فَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَتُلِيَتْ فِي الصَّلَاةِ جَهْراً ، كَمَا تُتْلَى آيَاتُ السُّورَةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى الْجَهْرَ بِهَا كَالشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ يُجْهَرُ بِهَا : كَسَائِرِ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ ، وَاعْتَمَدَ عَلَى آثَارٍ مَنْقُولَةٍ بَعْضُهَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَبَعْضُهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَمَّا الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ : كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِ ، فَفِيهِ صَحِيحٌ ، وَفِيهِ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، أَوْ مَوْضُوعٌ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ كَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَغَيْرِهِ . وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ أَهْلُ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَهْرِ بِهَا حَدِيثاً وَاحِداً ؛ وَإِنَّمَا يَرْوِي أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : كَالثَّعْلَبِيِّ وَنَحْوِهِ ، وَكَبَعْضِ مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، كَمَا يَذْكُرُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ حُكِيَ الْقَوْلُ بِالْجَهْرِ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ ، فَيُجْهَرُ بِهَا كَمَا يُجْهَرُ بِسَائِرِ الْفَاتِحَةِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَهُ ، بَلْ يُخَافَتُ بِهَا عِنْدَهُ . وَإِنْ قَالَ : هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَكِنْ يُجْهَرُ بِهَا عِنْدَهُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ . مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ لَا يَقْرَؤُونَهَا بِحَالٍ ، فَيَجْهَرُ بِهَا لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ قِرَاءَتَهَا سُنَّةٌ ، كَمَا جَهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَكَمَا جَهَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالِاسْتِفْتَاحِ ، وَكَمَا نُقِلَ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ بِهَا ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، وَقَالَ : أَنَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهُوَ أَجْوَدُ مَا احْتَجُّوا بِهِ . وَكَذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ خِلَافَهُ ، أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا إذَا كَانَ الْمَأْمُومُونَ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْجَهْرَ بِهَا وَالْمُخَافَتَةَ سُنَّةٌ ، فَلَوْ جَهَرَ بِهَا الْمُخَافِتُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا رَيْبٍ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ