تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وَأَيْضاً فَإِنَّ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ بِالْفَاتِحَةِ قَبْلَ السُّورَةِ ، هُوَ مِنْ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الْعَامِّ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ ، كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ وَجَمِيعُ الْأَئِمَّةِ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يَفْعَلُونَ هَذَا ، لَيْسَ فِي نَقْلِ مِثْلِ هَذَا فَائِدَةٌ ، وَلَا هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى نَقْلِ أَنَسٍ ، وَهُمْ قَدْ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ ، وَجَمِيعُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْجُيُوشِ ، وَخُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَبَنِي الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ أَنَسٌ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْفَاتِحَةِ ، وَلَمْ يَشْتَبِهْ هَذَا عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا شَكَّ ؛ فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ أَنَساً قَصَدَ تَعْرِيفَهُمْ بِهَذَا ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْهُ . وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ : فَكَانُوا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ أَرْبَعاً ، وَالْعَصْرَ أَرْبَعاً ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثاً ، أَوْ يَقُولَ : فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَالْفَجْرِ ، وَيُخَافِتُونَ فِي صَلَاتَيْ الظُّهْرَيْنِ ، أَوْ يَقُولَ : فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي الْأُولَيَيْنِ ، دُونَ الْأَخِيرَتَيْنِ . وَمِثْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَيْضاً { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةِ بِ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } } إلَى آخِرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ { يَفْتَحُ الْقِرَاءَةَ بِ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } } . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إرَادَةِ الْآيَةِ ؛ لَكِنْ مَعَ هَذَا لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ نَفْيٌ لِقِرَاءَتِهَا سِرّاً ؛ لِأَنَّهُ رَوَى { فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وَهَذَا إنَّمَا نَفَى هُنَا الْجَهْرَ . وَأَمَّا اللَّفْظُ الْآخَرُ : " لَا يَذْكُرُونَ " فَهُوَ إنَّمَا يَنْفِي مَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِانْتِفَائِهِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْجَهْرِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مَعَ الْقُرْبِ ، عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا . وَأَمَّا كَوْنُ الْإِمَامِ لَمْ يَقْرَأْهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ سَكْتَةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ سِرّاً ؛ وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَلَى عَدَمِ الْقِرَاءَةِ ، مَنْ لَمْ يَرَ هُنَاكَ سُكُوتاً ، كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ ؛ لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ { أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ ، مَاذَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ } : كَذَا وَكَذَا " إلَى آخِرِهِ . وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ وَأُبَيُّ وَغَيْرِهِمَا : أَنَّهُ