قَالُوا : بِمُوجَبِ عِلْمِهِمْ .
كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمَّا دَخَلَ مِصْرَ .
وَسُئِلَ أَنْ يَجْمَعَ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ بِهَا فَجَمَعَهَا ، فَقِيلَ لَهُ : هَلْ فِيهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ ؟ فَقَالَ : أَمَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا ، وَأَمَّا عَنْ الصَّحَابَةِ فَمِنْهُ صَحِيحٌ ، وَمِنْهُ ضَعِيفٌ .
وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَيْنِ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا صَلَّى بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ فَجَهَرَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ كُلِّ مَكَان يَا مُعَاوِيَةُ أَسَرَقْت الصَّلَاةَ أُمّ نَسِيت ؟ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِداً .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنْبَأَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى بِهِمْ ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَمْ يُكَبِّرْ إذَا خَفَضَ ، وَإِذَا رَفَعَ فَنَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ سَلَّمَ وَالْأَنْصَارُ : أَيْ مُعَاوِيَةَ ؟ سَرَقْت الصَّلَاةَ ؟ وَذَكَرَهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِمِثْلِهِ ، أَوْ مِثْلِ مَعْنَاهُ ، لَا يُخَالِفُهُ وَأَحْسَبُ هَذَا الْإِسْنَادَ أَحْفَظَ مِنْ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ فِي كِتَابِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ .
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّهُ أَقْوَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ .
كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ .
فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَهْرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَلَا صَرِيحٌ ، فَضْلاً أَنْ يَكُونَ فِيهَا أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ أَوْ مُتَوَاتِرَةٌ ، امْتَنَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَجْهَرُ بِالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ ثُمَّ لَا يُنْقَلُ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُعَارَضٌ بِتَرْكِ الْجَهْرِ بِهَا ، فَإِنَّهُ مِمَّا تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ مَنْقُولاً بِالتَّوَاتُرِ ، بَلْ قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، كَمَا أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ نَقْلاً قَاطِعاً ، بَلْ وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 170
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٠