تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
قِيلَ : الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنَّ الَّذِي تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَيَجِبُ نَقْلُهُ شَرْعاً : هُوَ الْأُمُورُ الْوُجُودِيَّةُ ، فَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ فَلَا خَبَرَ لَهَا ، وَلَا يُنْقَلُ مِنْهَا إلَّا مَا ظُنَّ وُجُودُهُ ، أَوْ اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَيُنْقَلُ لِلْحَاجَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ نَقَلَ نَاقِلٌ افْتِرَاضَ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ ، أَوْ زِيَادَةً عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ ، أَوْ حَجّاً غَيْرَ حَجِّ الْبَيْتِ ، أَوْ زِيَادَةً فِي الْقُرْآنِ ، أَوْ زِيَادَةً فِي رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ ، أَوْ فَرَائِضِ الزَّكَاةِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، لَقَطَعْنَا بِكَذِبِهِ ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ لَوَجَبَ نَقْلُهُ نَقْلاً قَاطِعاً عَادَةً وَشَرْعاً ، وَإِنْ عُدِمَ النَّقْلُ [ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ] لَمْ يُنْقَلْ نَقْلاً قَاطِعاً عَادَةً وَشَرْعاً ؛ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ نَقْلِهِ مَعَ تَوَافُرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي فِي الْعَادَةِ وَالشَّرْعِ عَلَى نَقْلِهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ . وَقَدْ مَثَّلَ النَّاسُ ذَلِكَ بِمَا لَوْ نَقَلَ نَاقِلٌ : أَنَّ الْخَطِيبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَقَطَ مِنْ الْمِنْبَرِ ، وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ أَوْ أَنَّ قَوْماً اقْتَتَلُوا فِي الْمَسْجِدِ بِالسُّيُوفِ ، فَإِنَّهُ إذَا نَقَلَ هَذَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ دُونَ بَقِيَّةِ النَّاسِ عَلِمْنَا كَذِبَهُمْ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فِي الْعَادَةِ ؛ وَإِنْ كَانُوا لَا يَنْقُلُونَ عَدَمَ الِاقْتِتَالِ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ . يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا الْجَهْرَ بِالِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ ، وَاسْتَدَلَّتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ جَهْرِهِ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْقَلْ نَقْلاً عَامّاً عَدَمُ الْجَهْرِ بِذَلِكَ ، فَبِالطَّرِيقِ الَّذِي يُعْلَمُ عَدَمُ جَهْرِهِ بِذَلِكَ ، يُعْلَمُ عَدَمُ جَهْرِهِ بِالْبَسْمَلَةِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا يُورِدُهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَهُوَ كَوْنُ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا يَمْتَنِعُ تَرْكُ نَقْلِهَا ، فَإِنَّهُمْ عَارَضُوا أَحَادِيثَ الْجَهْرِ وَالْقُنُوتِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، فَأَمَّا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فَقَدْ نُقِلَ فِعْلُ هَذَا وَهَذَا ، وَأَمَّا الْقُنُوتُ فَإِنَّهُ قَنَتَ تَارَةً وَتَرَكَ تَارَةً ، وَأَمَّا الْجَهْرُ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فَيَدْخُلُ فِي الْقَاعِدَةِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْأُمُورَ الْعَدَمِيَّةَ لَمَّا اُحْتِيجَ إلَى نَقْلِهَا نُقِلَتْ ، فَلَمَّا انْقَرَضَ عَصْرُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَصَارَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يَجْهَرُ بِهَا كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِ ، سَأَلَ بَعْضُ النَّاسِ بَقَايَا الصَّحَابَةِ كَأَنَسٍ ، فَرَوَى لَهُمْ أَنَسٌ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا ، وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ الْخُلَفَاءِ فَكَانَتْ السُّنَّةُ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً وَلَمْ يَكُنْ فِي الْخُلَفَاءِ مَنْ يَجْهَرُ بِهَا ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلَى السُّؤَالِ عَنْ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ حَتَّى يُنْقَلَ .