تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ ، لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ مَعَ إمْكَانِ الْجَهْرِ بِلَا سَمَاعٍ . وَاللَّفْظُ الْآخَرُ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْهُمْ يَجْهَرُ ، أَوْ قَالَ : يُصَلِّي بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، فَهَذَا نُفِيَ فِيهِ السَّمَاعُ ، وَلَوْ لَمْ يُرْوَ إلَّا هَذَا اللَّفْظُ لَمْ يَجُزْ تَأْوِيلُهُ ، بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ جَهْراً ، وَلَا يَسْمَعُ أَنَسٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ أَنَساً إنَّمَا رَوَى هَذَا لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، إذْ لَا غَرَضَ لِلنَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِ أَنَسٍ سَمِعَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ ، إلَّا لِيَسْتَدِلُّوا بِعَدَمِ سَمَاعِهِ عَلَى عَدَمِ الْمَسْمُوعِ ، فَلَوْ لَوْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ دَلِيلاً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَنَسٌ لِيَرْوِيَ شَيْئاً لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِيهِ ، وَلَا كَانُوا يَرْوُونَ مِثْلَ هَذَا الَّذِي لَا يُفِيدُهُمْ . الثَّانِي : أَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ صَارَ دَالّاً فِي الْعُرْفِ عَلَى عَدَمِ مَا لَمْ يُدْرَكْ ، فَإِذَا قَالَ : مَا سَمِعْنَا ، أَوْ مَا رَأَيْنَا ، لِمَا شَأْنُهُ أَنْ يَسْمَعَهُ وَيَرَاهُ ، كَانَ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ نَفْيَ وُجُودِهِ ، وَذِكْرُ نَفْيِ الْإِدْرَاكِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ دَلِيلٌ فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِدْرَاكِهِ . وَهَذَا يَظْهَرُ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ وَهُوَ : أَنَّ أَنَساً كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِينِ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ مَاتَ ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ قَبْلَ الْحِجَابِ ، وَيَصْحَبُهُ حَضَراً وَسَفَراً وَكَانَ حِينَ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ نَاقَتِهِ يَسِيلُ عَلَيْهِ لُعَابُهَا أَفَيُمْكِنُ مَعَ هَذَا الْقُرْبِ الْخَاصِّ ، وَالصُّحْبَةِ الطَّوِيلَةِ أَنْ لَا يَسْمَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِهَا ، مَعَ كَوْنِهِ يَجْهَرُ بِهَا هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانُهُ فِي الْعَادَةِ . ثُمَّ إنَّهُ صَحِبَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَتَوَلَّى لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وِلَايَاتٍ ، وَلَا كَانَ يُمْكِنُ مَعَ طُولِ مُدَّتِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ ، وَهُوَ لَا يَسْمَعُ ذَلِكَ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا تَحْرِيفٌ لَا تَأْوِيلٌ ، لَوْ لَمْ يُرْوَ إلَّا هَذَا اللَّفْظُ ، فَكَيْفَ وَالْآخَرُ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الذِّكْرِ بِهَا ، وَهُوَ يَفْضُلُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى . وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ يَنْفِي تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ ( بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَنَّهُ أَرَادَ السُّورَةَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : يَفْتَتِحُونَ ، ( بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) لَا يَذْكُرُونَ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ ، وَلَا فِي آخِرِهَا ، صَرِيحٌ أَنَّهُ فِي قَصْدِ الِافْتِتَاحِ بِالْآيَةِ ، لَا بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } إذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ ذَلِكَ لَتَنَاقَضَ حَدِيثَاهُ .