وكل قول رجع على قائله من حيث يريد به إلزام خصمه فهو ساقط .
وقوله تعالى : " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام " فإنما
خطر به القول بالتحليل والتحريم ، فيما كان قائله كاذبا ( به ) ، وليس هذه صفة القائسين
لأنهم صادقون في قولهم بإباحة القياس ، وما يوجبه من الاحكام .
ثم يصير الكلام بيننا وبينكم : في أن القياس حكم الله تعالى ، فيكون صدقا ، أوليس
بحكم ، فيكون القائل بإباحة كاذبا ، سقط اعتراضه بهذه الآية ، وعلى أن هذا
القول رجع عليه حسب ما ذكرنا في الآية الأولى ، لأنه لا يجد نصا في قوله : إن القياس
حرام ، فهو قائل على الله تعالى الكذب بنفيه القياس على قضيته .
وأما قوله تعالى : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) فإن القائسين فريقان :
أحدهما يقول : إن الحق في جميع أقاويل المختلفين ، فمن قال بهذا سقط عنه هذا
السؤال ، لأنه يقول : قد علمت أن ما أدى إليه القياس فهو حق ، وإنه ليس على حكم
غيره ، وأما من قال : إن الحق في واحد فإنه يقول : ما أداني إليه القياس فهو ضرب من
العلم ، مع تجويزي الخطأ فيه ، كقوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى
الكفار ) ونحوه فيما ذكرنا من قبول خبر الواحد ، فلم ينفك القائس من أن يكون قائلا
بعلم من حيث أقام الله تعالى له الدليل على القول به .
( ويلزمه أيضا : إبطال أخبار الآحاد والشهادات ، لأنها لا تقضي إلى حقيقة
العلم ) .
الفصول في الأصول — صفحة 82
مساهمون: الجصاص
ص٨٢