تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
وقد يجوز عندنا إباحة الدم بالاجتهاد ، ويجوز حظره أيضا من هذه الجهة ، فيما لم ينصب لنا عليه دليل قاطع . ألا ترى : أنا نجوز الاجتهاد في قتل المسلم بالرمي ، ونسوغ الاجتهاد في حظره ، فيكون الفريقان جميعا مصيبين . وإنما ( لا ) يسوغ ذلك فيما قامت الدلالة فيه بأحد الوجهين ، فيذهب ذاهب عن وجه الدلالة لشبهة تدخل عليه ، فيكون مخطئا ، ثم يختلف مراتب المخالفين لنا فيه في باب المأثم ، وعظم الخطأ ، على حسب ما يقتضيه الواقع فيه . فإن قال قائل : فما تقولون فيمن وافقكم على إباحة الاجتهاد في الأصل ، وخالفكم في تصويب المجتهدين ، وزعم أن الحق في واحد ، والمصيب واحد من المختلفين ؟ هل تجعلون مذهبه هذا ( من ) باب الاجتهاد ، وتصوبونه فيه ؟ فإن كان كذلك فهو يشهد عليهم بالخطأ في تصويبكم المجتهدين ، وقوله صواب ، وهذه القضية تقتضي منكم القول بخطأ قولكم ، من حيث صوبتم من قال فيه بتخطئتكم . وإن لم تسوغوا لهم القول : بأن الحق في واحد ، لزمكم ( الحكم بتأثيمهم ) على حسب ما التزمتموه من نفي القول بالاجتهاد رأسا . قيل له : لا فرق عندنا بين القائلين بنفي الاجتهاد رأسا ، وبين من نفى تصويب المجتهدين فيما وصفنا ، ولا يسوغ عندنا الاجتهاد في هذه المقالة ، كما لا يسوغ في نفي الاجتهاد والقياس . والحكم بتأثيم الجميع واجب عندنا ، وهما بمنزلة سواء في هذا الوجه ، لان الدلالة التي دلت من جهة الآثار وفعل الصحابة على جواز القول بالقياس والاجتهاد : هي بعينها دالة على تصويب المجتهدين ، على النحو الذي ذكرنا ، فالحاكم بتخطئة الفريقين وتأثيمهما واجب .
الفصول في الأصول — صفحة 356 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي