تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
فإن قال : فما الفرق بينكم وبين أصحاب الظنون ، ومن أنكر حقائق الأشياء ، وزعم أنه لا حقيقة لشئ إلا على حسب تعلق باعتقادات المعتقدين فيه على اختلافها ، وأن كل شئ من ذلك حق عند القائل به ومعتقده ، ولا حقيقة لشئ منه في نفسه قيل له : الأصل في ذلك أن الظنون قد يجوز تعلقها بأمر واحد في حال واحدة ، على وجوه مختلفة . وجائز أن يلزم كل ظان منهم حكما مخالفا لحكم الاخر ، إذا ذلك مصلحة كما قلنا في المحتري للكعبة ، ولرمي الكافر ، وتقويم المستهلكات والنفقات ، ونحوها . ونحو رجلين التقيا ليلا فغلب في ظن كل ( واحد ) منهما أن صاحبه قاصد لقتله ، قد أبيح لكل واحد منهما العمل على ( ما غلب ) في ظنه ، وقتل صاحبه على وجه الدفع ، وجميعا مطيعان فيما يأتيانه ، مصيبان لحكم الله تعالى عليهما ، إذ كان حكم كل واحد منهما متعلقا بالظن دون اليقين ، وحقيقة العلم قد تعبد الله تعالى الحكام بقبول شهادة من غلب في ظنونهم عند التهم ، وإلغاء شهادة من غلب في ظنهم فسقه ، فكان جميع ذلك أحكاما متعلقة بالظنون ، قد ورد ( به نص ) الكتاب والسنة وإجماع الأمة . واختلاف الظنون فيها لم تؤثر في حقائقها . وأما العلوم فليست هذه سبيلها ، لاستحالة أن يتعلق بالشئ الواحد علمان متضادان في حال واحدة . ألا ترى : أنه لا يصح أن يعلم شيئا واحدا ، هذا موجودا وهذا معدوما كما لا يجوز أن يكون شئ واحد موجودا أو معدوما في حال واحدة ، وجائز أن يظنه هذا موجودا ، ويظنه آخر معدوما ، فيصح وقوع الظن من كل واحد منهما على وجهين متضادين .
الفصول في الأصول — صفحة 358 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي