تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
ووجه آخر : وهو أن عليه أن يبين للعلماء وجه ما ذهب إليه ، ليزول عنه الظنة في اتباع الهوى ، وإيثار الهوينا من غير مقايسة ولا نظير ، وأن ما انتحله وجه يسوغا الاجتهاد ، ويجوز اعتقاده من الوجه الذي ذهب إليه . وأما قوله : إن هذا القول يوجب تساوي العلماء في رتبة العلم ، وأن لا يفصل بعضهم بعضا ، إذ كلهم مصيب الحكم الله تعالى : فإنه غير موجب لما ذكر ، لان الاجتهاد إذا كان على مراتب : منه : ما يصادف ( به ) حقيقة المطلوب ، ( ومنه ما يقصر دونه ، جاز أن يتفاضل العلماء فيه ، وكل من كان أكثر موافقة للمطلوب ) كان أعلا رتبة فيه ، وإن لم يعلم كل واحد منهم أنه مصيب للمطلوب الذي هو الأشبه . وأيضا : فليس العلم كله مقصورا على الاجتهاد ، حتى إذا تساوى المجتهدون في أن كلا منهم مصيب ، وجب الحكم بتساويهم في مرتبة العلم ، وذلك لان المجتهدين قد يكون أحدهما أعلم بالأصول أنفسها ، ومواضع النصوص والاتفاق ، وقد يكون أعرف بوجوه الاستدلال ، ورد الحوادث إلى النظائر والأشباه ، ووجوه التأويلات ، واحتمال اللفظ للمعاني ، وبحكم الألفاظ ومقتضاها من المعاني . فإذا كانت منازل العلماء قد تتفاوت في هذه الوجوه ، فلم يلزمنا إسقاط مراتب العلماء بتصويبنا المجتهدين ، إذا كانت منازلهم قد تتفاوت في الوجوه التي ذكرنا ؟ فإن قال قائل : فما تقول في المطلوب الذي هو الأشبه عند الله تعالى ؟ تقول : إنه حكم الله تعالى في الحادثة ؟ . فإن كان ذلك كذلك فواجب أن تقيم الدليل عليه ، وتجعل للمجتهد سبيلا إلى العلم به ، وإن لم يكن هو حكم الله تعالى فلا معنى لتكليفهم طلبه ، لأنه غير جائز أن يكلفهم