تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
قيل له : لما انعقد إجماع السلف والخلف بذلك فيما طريقه الاجتهاد ، وصار حكمه حينئذ ما حكم به الحاكم دون ما أداه إليه اجتهاده ، كما كما لوبان له ضرب من الرجحان في خلاف قوله الذي اعتقده ، وجب عليه الانتقال إليه ، وكان ذلك حكمه الذي تعبد به دون الأول . ومن سؤالاتهم في ذلك : أنه لو كان كل مجتهد مصيبا ، لما جاز لكل واحد من المجتهدين أن يقول : قولي أصوب ، وأولى من قول مخالفي ، ولما كان دعاؤه للناس إلى قوله بأولى من دعائه إلى قول مخالفيه . فلما وجدنا كل واحد من المجتهدين إنما يدعو إلى قول نفسه دون قوله مخالفيه ، ويزعم أن قوله أولى من قولهم وأصوب ، دل ذلك على أنه إنما ساغ له ذلك ، لان عنده أنه هو المصيب وأنهم مخطئون . وأيضا فلو كان كل مجتهد مصيبا ، لارتفعت المناظرات من المجتهدين ، لأنه غير جائز له أن يناظر ليرده عن صوابه ، إذ غير جائز لأحد أن يرد غيره عن صواب هو عليه . وأيضا : فإن هذا يوجب بطلان مراتب العلماء ، ويمنع أن يكون بعضها أعلا من بعض ، إذ كان كل واحد منهم مصيبا لحكم الله تعالى لان اختلاف مراتب العلماء متعلق بكثرة إصابة أحكام الله تعالى فيما طريقه الاجتهاد . الجواب : أما الفصل الأول في جواز تخطئة كل واحد منهم لمخالفيه وتصويبه فإنه غير جائز لواحد من المجتهدين تخطئة مخالفه فيما كان طريقه الاجتهاد ، كما لا يجوز للمسافر تخطئة المقيم في مخالفة فرضه لفرضه . وكما لا يجوز للطاهر تخطئة الحائض ، لان فرض كل واحد منهم غير فرض صاحبه ، كذلك كل واحد من المجتهدين ، فإن فرضه ما أداه إليه اجتهاده ، فغير جائز له تخطئة صاحبه في اعتقاده .