تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
والفقهاء ، إلى اتباع الهوى ، والجهل به إلى أحد الخصمين ، ويجعله ذريعة إلى أخذ الرشوة ، واستيكال الناس به ، كما قد رأينا كثيرا من أهل هذا العصر يفعلونه ، ثم يوهم مع ذلك أنه إنما فعل ذلك ، لأنه مسوغ له في الدين ، وأن اجتهاده قد أجاز له ذلك . فلما كان جواز ذلك مؤديا إلى هذه المستنكرة علمنا فساد قول القائل به ، وليس كذلك كفارة اليمين وما ورد به النص في التخيير ، من قبل أنه لا يلحقه ظنه ولا تهمه باختياره بعض ذلك دون بعض . وسائر الوجوه المانعة ذلك في باب الاجتهاد معدومة فيه ، فلذلك جاز له النقل في الاختيار . من غير روية ولا نظر . ومن الناس من يقول : إن المخير في إيقاع أحد الأشياء لا يصح منه اختيار بعض ذلك دون بعض ، إلا ( بجاذب - يجذبه ) إليه ، وداع يدعوه إليه ، وبمعنى يتفرد به مما سواه ، كنحو من يدعوه داع من نفسه إلى اختيار الطعام ، لأنه يراه أسهل مطلبا ، ( وأولى ) بسد الجوعة . أو اختيار العتق ، لأنه أعظم أجرا ، أو الكسوة ، لأنها تنفع في وجوه لا يسد فيها مسدها غيرها ، من ستر العورة ، والزينة ، وما جرى مجرى ذلك . وإذا كان ذلك كذلك ، لم يصح أن يختار أحد أشياء مما يساوى جهات الاجتهاد فيه ، إلا بضرب من الرجحان ، فيلزم حينئذ ملازمته والثبوت عليه ، إلى أن يثبت من رجحان الآخر عنده ما يوجب النقل عنه . وينفصل من كفارة اليمين من هذا الوجه بأن تنقل الآراء وتبدل الاختيار في كفارة الايمان في أحوال متقاربة ، غير مستنكر عند العقلاء . والتنقل في اختيار منه يخرجه الاجتهاد ، لا يتقارب أوقاتها إذا كان عن نظر وفحص ، وإذا
الفصول في الأصول — صفحة 349 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي