تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
ومنهم من يقول : يختار أيهما شاء ، فأيهما اختاره لم يجز له العدول عن الاخر ، إلا بضرب من الرجحان ، يوجب له العدول عنه . فقد انعقد إجماع الجميع ، بامتناع جواز انتقال ما اختاره عند تساوي جهات الاجتهاد عنده إلى غيره ، من غير رجحان في ذلك القول ، يوجب له العدول إليه عن الأول . فمتى أجزنا له التقلب في الاختيار من غير طريق نظر ولا رجحان ، كان ذلك خروجا عن نطاق الاجماع . وجهة أخرى : وهي ( أن ) التنقل في الرأي والاختيار مع تقارب الحال وسرعة المدة ، فعل مذموم عند العقلاء ، إذا لم يكن هناك سبب يدعو إليه ، والمعنى على شاكلة واحدة ، ولزوم طريقة واحدة ، أحسن عندهم في الأخلاق ، والسير ، والسياسات ، من التنقل في الآراء ويسمون من يفعل ذلك ذا بدوات ، يذمونه به ، وتقل الثقة برأيه والاستتامة إلى اختياراته . فلما كان ذلك كذلك ، صار حصول هذا المعنى موجبا للقول الذي اختاره ضربا من الرجحان ، ووجها من الاختصاص في كونه أولى بالاثبات . ومعلوم أن وجود الرجحان فيه لاحد الوجهين في الابتداء يوجب كونه أولى ، وكذلك إذا حصل له بعد اختياره إياه ما ذكرنا من وجوه الرجحان ، أوجب ذلك كونه أولى من الآخر ، ولم يجز له بعد اختياره الآخر العدول إليه . من جهة أخرى : إن التنقل في الرأي والتقلب في الاختيار مع قرب المدة وسرعة الوقت من غير سبب أوجبه ، يوجب الظنة بصاحبه ، والتهمة له في إيقاع الهوى ، واختيار الميل إلى أحد الخصمين دون الآخر ، بما تسلق به على إيثاره الهوينا في أمر الدين ، وعلى فساد العقيدة . والانسان منهي عن فعل ما يطرق على نفسه هذه الوجوه . وربما تسلق أيضا بتجويز ذلك بعض من لا دين له ، ممن يتعاطى ذلك من الحكام
الفصول في الأصول — صفحة 348 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي