فإن قيل : لما سماه أجرا دل على أنه مستحق .
قيل له : يجوز أن يكون سماه أجرا ، وإن لم يكن مستحقا على جهة المجاز ، حين كان
الوعد به متعلقا بقول يكون منه ، كما قال تعالى : " وجراء سيئة سيئة مثلها " . فسمى
الجزاء سيئة على وجه المقابلة .
ووجه آخر في إيجابه الاجرين لمن أصاب الأشبه منهما : وهو أنه جائز أن يكون إصابة
المطلوب الذي هو الأشبه متعلقة بضرب من المبالغة في الاجتهاد ، يصادف بها موافقة
الأشبه ، وإن كان لو اقتصر على ما دونها من التقصي والمبالغة فيه كان ذلك جائزا ، ولم
يكن مطلقا لأكثر منه ، ولا يصيب الأشبه مع ذلك ، فيكون الضربان جميعا من الاجتهاد
جائزين ، وإن كان أحدهما أفضل من الاخر ، لما فيه من زيادة المشقة في النظر والاجتهاد .
وإذا كان هذا هكذا : جاز أن يكون المصيب للأشبه المطلوب مستحقا لزيادة الثواب
على حسب وقوع زيادة اجتهاده على اجتهاد الذي قصر عن موافقة الأشبه .
وهذا جائز سائغ ، نحو ورود العبادة من الله تعالى ، كما قال جل وعز : " والقواعد من
النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات
بزينة " ثم قال تعالى : " وأن يستعففن خير لهن " .
فبين حكم المباح الذي يجوز الاقتصار عليه ، وأبان عن موضع الفضل ، وقال تعالى :
" فمن تطوع خيرا فهو له " . ثم قال تعالى : " وأن تصوموا خير لكم " فأباح لنا
الافطار ، وأخبر بالفصل .
الفصول في الأصول — صفحة 334
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٤