تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
فثبت لما وصفنا أن اختلاف المجتهدين ليس ما ذمه الله تعالى بهذه الآيات . ولو كان ذلك اختلافا مذموما ، لوجب أن يكون اختلاف العبادات الواردة من طريق النص مذموما ، نحو اختلاف فرض المقيم والمسافر في الصلاة والصوم ، واختلاف حكم الطاهر والحائض فيهما . فلما كان ذلك اختلافا في أحكام المتعبدين ، ولم يكن معيبا ولا مذموما ، بل كان حكمة وصوابا من عند الله تعالى ، ولم ينفه قوله تعالى : " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " ، لان اختلاف الذي نفاه الله تعالى عن كتابه ، وأحكامه ، هو اختلاف التضاد والتنافي ، وذلك غير موجود في أحكام الله تعالى . وسبيل المجتهدين إذا اختلفوا سبيل المتعبدين بالأحكام المختلفة من جهة النصوص والاتفاق ، لان كلا منهم متعبد بما أداه إليه اجتهاده ، وغير جائز له تخطئة غيره في مخالفته إياه . وإن كان ما تعبد به خلاف ما تعبد به غيره . كما لا يجوز للمسافر تخطئة المقيم في مخالفة حكمه لحكمه ، ولا يجوز للحائض تخطئة الطاهرة فيما تعبد به كل منهما من الحكم ، كان كذلك حكم المجتهدين إذا اختلفوا على هذا الوجه وهم جميعا مصيبون . وأما الحكم بالظن والهوى ، فإن المجتهد لا يجوز له الحكم بالظن والهوى ، وإنما عليه اتباع الامارات والشواهد ، والأشباه التي نصبها الله تعالى في الأموال ، وجعلها أمارات لاحكام الحوادث ، ولو كان المجتهد حاكما بالظن والهوى لكان المتحري للكعبة حاكما بالهوى ، ولكانت الصحابة حين تكلموا في مسائل الفتيا متبعين للهوى حاكمين بالظن ،
الفصول في الأصول — صفحة 327 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي