تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
قيل له : قد ثبت بما ذكرت أنه ليس لله تعالى دليل منصوب على حكم بعينه من تلك الأحكام ، إذ لو كان لما كان المستدل به متظننا غير عالم بإصابة الحق عند الله تعالى . فثبت أن دليل أحكام الحوادث مختلفة على حسب شبهها بالأصول ، وأن حكم الله تعالى على المجتهد ما أداه إليه اجتهاده ، ليس عليه حكم غيره ، وأنه لم يكلف إصابة المطلوب بعينه ، إذ لو كان المطلوب هو حكم الله عليه بعينه ، وهو مكلف لإصابته لما أخلاه الله تعالى من دلالة له ينصبها عليه ، ولو نصب عليه دليلا لأفضى بالناظر إلى العلم بمدلوله ، ولكان يكون مخطئه حينئذ بمنزلة المخطئ لسائر ما كلفه الله تعالى إصابته على النحو الذي ذكرنا . وأيضا : فلو كان هناك دليل منصوب على أحكام الحوادث التي وصفنا حالها ، لما خلت الصحابة من الوقوف عليه والمصير إليه حكمه ، وإن لم تصبه الجماعة أصابه البعض منها ودعا الباقين إليه ، فيتوافون على القول ( به ) لوقوع العلم لهم بمدلوله . فلما وجدنا الامر فيه بخلاف ذلك ، بل كانوا بعد النظر والاجتهاد ثابتين على مذاهبهم غير منكر بعضهم على بعض في مخالفته إياه ، دل ذلك على صحة ما ذكرنا . فإن قال قائل : إنما عذر المجتهد في خطابه في مسائل الفتيا لغموض دلالة الحكم وخفي نقلها ، ولم يعذر في الخطأ في سائر الأشياء التي ذكرت ، لظهور دلالتها ووضوحها . قيل له : فهل جعل الله تعالى للمجتهد سبيلا إلى إصابة تلك الدلالة والحكم بمدلولها ؟ وهل كلفه الاستدلال بها بعينها ، ونهاه عن العدول عنها ؟ فإن قال : نعم . قيل له : فكيف يكون معذورا من كلف إصابة الحكم وجعل له السبيل إليه ، فعدل عنه بتقصيره ؟