تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
ولو جاز هذا فيما ذكرت لجاز في سائر ما أقام الله تعالى الدلائل عليه . فلما كان المجتهد فيما وصفنا عندنا جميعا وعند السلف غير معنف في خلافه فيما خالف فيه ، علمنا أنه لم ينصب له دلالة على المطلوب بعينه ، ولم يكلف إصابته . ويقال لمن أبى ما قلنا : أخبرنا عن المجتهدين إذا اختلفوا ، أتجيز لكل واحد منهم إبرام الحكم بما أداه إليه اجتهاده ؟ فإن قال : حتى يعلم حقيقة حكم الله تعالى . قيل له : فالمختلفون من الصحابة كان المصيب واحدا منهم عندك . أفتقول : إن الباقين أقدموا على ما لم يكن جائزا لهم الاقدام عليه ، وأمضوا أحكاما لم يكن جائزا لهم إمضاؤها ؟ فإن قال : كذلك فعلوا . طعن في السلف ، ولحق بالنظام وطبقته ، في طعنهم على الصحابة في الطعن بالاجتهاد ، وجوز إجماعهم على خطأ ، لأنه لو لم يكن يجوز لهم إمضاء ما أداهم إليه اجتهادهم ، لما أجمعوا على ترك النكير على المختلفين في أحكام الحوادث بما أمضوه من ورائهم . وأحد من الفقهاء لا يجيز ذلك على الصحابة ولا على أحد من أهل سائر الأعصار من المجتهدين . فإذا قد ثبت أن لكل واحد من المجتهدين إمضاء الحكم بما أداه إليه اجتهاده . وإذا كان مأمورا بذلك فغير جائز أن يكون مأمورا ( به ) وهو غير مصيب لحكم الله تعالى ، لان حكم الله تعالى هو ما أمر به ، فواجب أن يكون كل واحد من المجتهدين على اختلافهم مصيبا لحكم الله تعالى الذي كلفه من جهة الاجتهاد ، لاستحالة أن يكون فاعلا لما أمر به مخطئا فيه بعينه . فيثبت بذلك أن الحق في جميع أقاويل المختلفين ، وأن كل مجتهد في ذلك مصيب . فإن قبل : ما أنكرت أن يكون مصيبا في اجتهاده للحكم الذي هو مأمور بإصابته ؟ قيل : وهذا متناقض أيضا مستحيل ، لان الحكم إذا كان موجبا بالاجتهاد - والاجتهاد صواب مأمور به - فغير جائز أن يكون موجبه خطأ غير مأمور به ، لأنه يستحيل أن يكون مأمورا بالسبب ومنهيا عن مسببه .
الفصول في الأصول — صفحة 313 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي