تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
ومعلوم أن حكمه ذلك كان من طريق الاجتهاد لا على وجه الحدس والظن ، ولا على جهة التخيير من غير اجتهاد في تحري الأصوب والأولى . فدل ذلك على أن كل من ساغ له الاجتهاد في استخراج حكم حادثة أنه مصيب لحكم الله تعالى فيما أداه إليه اجتهاده . فإن قيل : لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد إبرام الحكم : ( لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع سماوات ) دل ( على ) أن حكمه وافق حكم الله تعالى ، وأنه لم يكن الله تعالى ( فيه ) حكم غيره . قيل له : إنما قال ذلك ، لأنه كان مصيبا في حكمه ، من حيث يسوغ له الاجتهاد فيه فأمضاه باجتهاده . ( ولو ) كان حكم بغيره لكان ذلك حكم الله تعالى ( أيضا ) ، إذ سوغ إمضاء ما رآه صوابا باجتهاده ، وليس في قوله : لقد حكمت بحكم الله تعالى ، دلالة على أنه لو حكم بغير ذك لم يكن ذلك حكم الله تعالى . ومما يدل على ذلك من إجماع السلف : أن الصحابة قد اختلفت في شيئين ، صاروا في أحدهما إلى الإنكار على مخالفيهم ، وإلى التحزب والقتال واللعن والبراءة . وهو ما قد علمنا كونه فيما بينهم . وكانوا في الاختلاف الآخر متسالمين غير منكر بعضهم على بعض خلافه إياه فيه ، وهو أحكام حوادث الفتيا ، فثبت بذلك افتراق حكم الامرين عندهم ، دل على أن الذي خرجوا فيه إلى البراءة ، واللعن ، والقتال ، رأوا أن لله تعالى عليه دليلا منصوبا ، يفضي إلى العمل بمدلوله ، ويجب المصير إليه وترك مخالفته .