تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
لكانوا مستحقين للعقاب ، لبقائها على حال التحريم الذي كان على سائر الأمم السالفة ، ولكنه عز وجل أباحها لهم ، فلم يستحقوا العقاب بأخذها . ويدل على صحة هذا التأويل : قوله تبارك وتعالى : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " ولو كانوا آخذين لما لم يجز أخذه لأمرهم به ، وبقتل من في أيديهم من الاسرى ، إذ كان المن وأخذ الفداء خطأ ، خلاف حكم الله تعالى فيهم ، لان الله تعالى لا يقر أحدا على خلاف حكمه . وفي قوله تعالى : " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم " . يدل على أنه أنفذ لهم ما أخذوه ، وأنه لو كان محرما عليهم كتحريمه على من كان قبلهم لمسهم في أخذه عذاب عظيم ، فأخبر عن موضع النعمة عليهم ، بإباحته أخذها ، لئلا يستحقوا العقاب إذا أخذوها . وقد قيل : إن قوله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " . يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا فيه ، إلا أنه لما أثخنهم بقتله رؤساءهم وهزيمة الباقين منهم ، جاز أن يكون له أسرى ، فكان سبيله في هذا الباب ، سبيل سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، في أنه لم يبح له الاسرى إلا بعد الإثخان ، ثم خالف بين حكمه ، وبين حكم سائر المتقدمين ، بأن لم يجعل لمن تقدم أخذ المال من الاسرى ، وإنما كان لهم المن بغير فداء ، أو القتل . وأباح للنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الفداء . فقال تعالى : " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " ( بأن يفضل دون سائر الأنبياء بإباحة أخذ الفداء لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) . كما لو فعله من قبلكم مع الحظر . ويدل على أن الله تعالى لم يعاتبه على تبقية الاسرى بالفداء : أن الله تعالى قد كان عالما بأن في أولئك الاسرى من يسلم ، ويحسن إسلامه إذا استبقي وفودي به ، وينجو من عذاب الكفر .