الاجتهاد ، وقال تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) الآية .
وأجمعت الأمة - غير الرافضة - أن هذا الاستخلاف إنما يكون في كل وقت باجتهاد
المسلمين وآرائهم ، فيمن يرونه موضعا للخلافة لفضله ، وأنه أصلح للأمة من غيره ، وقال
تعالى : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
) . وظاهره يقتضي أن التنازع واقع في غير المنصوص عليه ، إذ كانت العادة أن
التنازع والاختلاف بين المسلمين لا يقعان في المذكور بعينه . فإنه أمر برد المتنازع فيه إلى
كتاب الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وسنته بعد وفاته .
والرد إلى الكتاب والسنة إنما هو باستخراج حكمه منهما بالاجتهاد والنظر .
فإن قيل : ما أنكرت أن يكون معنى قوله تعالى : ( فردوه إلى الله والرسول ) الرد
إلى نص الكتاب ونص السنة ، لا من جهة القياس والرأي .
قيل له : هذا غلط من وجوه .
أحدها : أن الأظهر أن التنازع إنما يقع بين المسلمين في غير ما نص عليه ، لا يجوز
حمل الآية على خلاف الظاهر من أمرها .
والثاني : أنك تجعل تقدير الآية على الوضع : أن اتبعوا الكتاب والسنة ، وهذا
واجب في حال التنازع وغيرها . فتخل الآية من فائدة ذكر التنازع .
والثالث : أنك خصصت الامر بالرد فيما قد نص عليه ، دون ما لم ينص عليه ، وعموم
اللفظ يقتضي وجود الرد في الحالين ، سواء كان الحكم المتنازع فيه منصوصا عليه أو
غير منصوص عليه ، فلا جائز لاحد تخصيصه والاقتصار به على حال وجود النص دون
الفصول في الأصول — صفحة 29
مساهمون: الجصاص
ص٢٩