تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
الاجتهاد ، وقال تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) الآية . وأجمعت الأمة - غير الرافضة - أن هذا الاستخلاف إنما يكون في كل وقت باجتهاد المسلمين وآرائهم ، فيمن يرونه موضعا للخلافة لفضله ، وأنه أصلح للأمة من غيره ، وقال تعالى : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . وظاهره يقتضي أن التنازع واقع في غير المنصوص عليه ، إذ كانت العادة أن التنازع والاختلاف بين المسلمين لا يقعان في المذكور بعينه . فإنه أمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وسنته بعد وفاته . والرد إلى الكتاب والسنة إنما هو باستخراج حكمه منهما بالاجتهاد والنظر . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون معنى قوله تعالى : ( فردوه إلى الله والرسول ) الرد إلى نص الكتاب ونص السنة ، لا من جهة القياس والرأي . قيل له : هذا غلط من وجوه . أحدها : أن الأظهر أن التنازع إنما يقع بين المسلمين في غير ما نص عليه ، لا يجوز حمل الآية على خلاف الظاهر من أمرها . والثاني : أنك تجعل تقدير الآية على الوضع : أن اتبعوا الكتاب والسنة ، وهذا واجب في حال التنازع وغيرها . فتخل الآية من فائدة ذكر التنازع . والثالث : أنك خصصت الامر بالرد فيما قد نص عليه ، دون ما لم ينص عليه ، وعموم اللفظ يقتضي وجود الرد في الحالين ، سواء كان الحكم المتنازع فيه منصوصا عليه أو غير منصوص عليه ، فلا جائز لاحد تخصيصه والاقتصار به على حال وجود النص دون
الفصول في الأصول — صفحة 29 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي