حصونهم مانعتهم من الله تعالى ، ثم أخبر عما استحقوه من الخزي والعذاب والذل
والخذلان ، بقوله تعالى : ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) ثم قال تعالى : ( فاعتبروا يا
أولي الابصار ) والمعني - والله أعلم - أن احكموا لمن فعل مثل فعلهم باستحقاق العقوبة
والنكال من الله تعالى ، لئلا يقدموا على مثل ما أقدموا عليه ، فيستحقوا مثل ما استحقوا
فدل على أن الاعتبار هو ان تحكم للشئ بحكم نظيره المشارك له في معناه ، الذي تعلق به
استحقاق حكمه .
فإن قيل : الاعتبار : هو التفكر والتدبر .
قيل له : هو كذلك ، إلا أنه تفكر في رد الشئ إلى نظيره ، على الوجه الذي قلنا .
ألا ترى أنك تقول : قد اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب ، إذا قومته بمثل قيمته .
فكان المعنى : أنك رددته إليه ، وحكمت له بمثل حكمه ، إذ كان مثله ونظيره .
وحكي لي بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله بن زيد الواسطي قال : رأيت
القاساني وابن سريج قد صنفا في القياس نحو ألف ورقة ، هذا في نفيه ، وهذا في
إثباته ، اعتمد القاساني فيه على قوله تعالى : ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى
الفصول في الأصول — صفحة 32
مساهمون: الجصاص
ص٣٢