تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
أدفعهم عنكم إلى يوم ما " فقالت الأنصار : والله ما كانوا يطمعون فيها ، ونحن على الشرك ، إلا قرى أو شرى ، فكيف نعطيهم الان وقد أعزنا الله بالاسلام ! لا نعطيهم إلا بالسيف ، فلم يعطهم شيئا . هذا يدل على أنهم قد كانوا عهدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشاورهم في أمور لم ينزل عليه فيها وحي . ثم يجتهد معهم ، فيختار منها ما يراه صوابا . لولا ذلك لما قالوا له : أرأي هو أم وحي ؟ ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ( بل هو رأي ) ويبين وجه اجتهاده وغالب ظنه فيه ، وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قد قال : قلت يا رسول الله ، إنك توجهني في الامر فأكون فيه كالسكة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال : الشاهد يرى ما لا يراه الغائب " فهذا أيضا يدل على ما ذكرناه ، لأنه لو كان كل ما يأمر به من جهة الوحي ، لما اختلف فيه حكم الشاهد ، إذ كان الله تعالى شاهدا في كل حال ، عالما بالعواقب . فدل على أن ما أمر به كان يكله إلى الاجتهاد ورأيه . ومنه قوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " إلى قوله تعالى : " فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة " وهذا الخوف إنما هو في غالب الظن ، لان الانسان لا يحبط عمله بما يؤثره في مستقبل أوقاته . ومنه قوله تعالى : " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " والابتلاء وإيناس الرشد إنما يكونان بالاجتهاد ، وغالب الظن على حسب ما يظهر من حزم اليتيم وحفظه لأمواله . وقال عز وجل : " وللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " وكان