ومنه قوله تعالى : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل
على الله ) . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ، فيما لم يوح إليه ( منه ) بشئ ، ثم
يختار من آرائهم ما كان عنده أنه أقرب إلى الصواب في أمر الحروب ، ومكائد العدو .
فإن قال قائل : إنما أمره بمشاورتهم تطييبا لأنفسهم ، ولينفي عنه الفظاظة التي أمر الله
تعالى باجتنابها ، ولم يكن يرجع إلى آرائهم ، وإنما كان يعمل على ما ينزل به الوحي .
قيل له : غير جائز أن يكون أمره بمشاورتهم من غير رجوع إلى آرائهم - باعتبار الصواب
منها - باجتهاده ورأيه ، لأنهم إذا علموا أنهم يشاورون ثم لا يلتفت إلى رأيهم ، زاد ذلك في
وحشتهم وانخزالهم ، وهو مع ذلك يجري العبث ، وما لا فائدة فيه ، وهذه منزلة يرتفع
النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها . إذ هو بالهزء والاستخفاف أشبه منها بما يوجب تطييب النفوس .
ألا ترى أنه لا يشاورهم أن الظهر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ، من حيث كان
طريق معرفته الوحي ، فعلمنا أنه أمر بمشاورتهم ليظهروا آراءهم ، وما يؤديهم إليه
اجتهادهم ، فيجتهد معهم ، ويختار الصواب عنده منها .
ويدل على ذلك ، أن الحباب بن المنذر ، قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزل منزلا يريد المشركين في
وقعة بدر : ( أرأيت يا رسول الله ، هذا المنزل الذي نزلته ؟ أبأمر الله هو فنسلم لأمر الله . أم
بالرأي والمكيدة ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هو بالرأي " فقال : أرى ان تبادر إلى الماء ، فتنزل عليه
قبل أن يسبق المشركون إليه فقبل ذلك .
وكذلك يوم الأحزاب ، لما عزم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يعطي عيينة بن حصن وقوما
معه نصف ثمار المدينة ، على أن لا يعاونوا قريشا عليه ، قالت الأنصار : أرأي رأيته
يا رسول الله ، أم وحي ؟ فقال " بل رأي . رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد ، فرأيت أن
الفصول في الأصول — صفحة 26
مساهمون: الجصاص
ص٢٦